الشوكاني
354
نيل الأوطار
فقلت له : إن كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وإن لم تصح فأنت أعلم ، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك ، قال علي : المناصفة ، قلت : فبأي شئ حرمته ؟ قال : يقول الله عز وجل : * ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) * ( سورة البقرة ، الآية : 222 ) وقال : * ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) * ( سورة البقرة ، الآية : 223 ) والحرث لا يكون إلا في الفرج ، قلت : أفيكون ذلك محرم لما سواه ؟ قال : نعم ، قلت : فما تكون لو وطأها بين ساقيها أو في أعكانها أو تحت إبطيها ، أو أخذت ذكره بيدها ، أو في ذلك حرث ؟ قال : لا ، قلت : فيحرم ذلك ؟ قال : لا ، قلت : فلم تحتج بما لا حجة فيه ؟ قال : فإن الله قال : * ( والذين هم لفروجهم حافظون ) * ( سورة المؤمنون ، الآية : 5 ) الآية ، قال : فقلت له : هذا مما يحجون به للجواز ، إن الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه ، فقلت له : أنت تتحفظ من زوجتك وما ملكت يمينك انتهى . وقد أجيب عن هذا بأن الأصل تحريم . المباشرة إلا ما أحل الله بالعقد ، ولا يقاس عليه غيره لعدم المشابهة في كونه مثلا محلا للزرع ، وأما تحليل الاستمتاع فيما عدا الفرج فهو مأخوذ من دليل آخر ، ولكنه لا يخفى ورود ما أورده الشافعي على من استدل بالآية ، وأما دعوى أن الأصل تحريم المباشرة فهذا محتاج إلى دليل ولو سلم فقوله تعالى : * ( فأتوا حرثكم أنى شئتم ) * رافع للتحريم المستفاد من ذلك الأصل ، فيكون الظاهر بعد هذه الآية الحل ، ومن ادعى تحريم الاتيان في محل مخصوص طولب بدليل يخصص عموم هذه الآية ، ولا شك أن الأحاديث المذكورة في الباب القاضية بتحريم إتيان النساء في أدبارهن يقوي بعضها بعضا ، فتنتهض لتخصيص الدبر في ذلك العموم ، وأيضا الدبر في أصل اللغة اسم لخلاف الوجه ولا اختصاص له بالمخرج كما قال تعالى : * ( ومن يولهم يومئذ دبره ) * ( سورة الأنفال ، الآية : 16 ) فلا يبعد حمل ما ورد من الادبار على الاستمتاع بين الأليتين . وأيضا قد حرم الله الوطئ في الفرج لأجل الأذى ، فما الظن بالحش الذي هو موضوع الأذى اللازم في زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل الذي هو العلة الغائية في مشروعية النكاح ، والذريعة القريبة جدا الحاملة على الانتقال من ذلك إلى إدبار المرد . وقد ذكر ابن القيم لذلك مفاسد دينية ودنيوية فليراجع ، وكفى مناديا على خساسته أنه لا يرضى أحد أن ينسب إليه ولا إلى إمامه تجويز ذلك إلا ما كان من الرافضة مع أنه مكروه عندهم ، وأوجبوا للزوجة فيه عشرة دنانير عوض النطفة ، وهذه المسألة هي إحدى مسائلهم التي شذوا بها . وقد حكى الإمام المهدي في البحر