الشوكاني
220
نيل الأوطار
الخطاب فذكر نحوه . وقد استدل بالآية المذكورة من قال بوجوب الكتابة ، وقد نقله ابن حزم عن مسروق والضحاك ، وزاد القرطبي معهما عكرمة ، وهو قول للشافعي ، وبه قالت الظاهرية ، واختاره ابن جرير الطبري ، وحكاه في البحر عن عطاء وعمرو بن دينار . وقال إسحاق بن راهويه : إنها واجبة إذا طلبها العبد . وذهبت العترة والشافعية والحنفية وجمهور العلماء إلى عدم الوجوب ، وأجابوا عن الآية بأجوبة منها ما قاله أبو سعيد الإصطخري أن القرينة الصارفة للامر المذكور آخر الآية أعني قوله تعالى : * ( إن علمتم فيهم خيرا ) * ( سورة النور ، الآية : 33 ) فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى المولى ، ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه لم يجبر عليه فدل على أنه غير واجب . وقال غيره : الكتابة عقد غرر فكان الأصل أن لا تجوز ، فلما وقع الاذن فيها كان أمرا بعد منع ، والامر بعد المنع للإباحة ، ولا يرد على هذا كونها مستحبة لأن استحبابها ثبت بأدلة أخرى . قال القرطبي : لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الامر بالكتابة غير واجب ، لأن قوله : خذ كسبي وأعتقني يصير بمنزلة اعتقني بلا شئ وذلك غير واجب اتفاقا . وأجاب عن الآية في البحر بأن القياس على المعاوضات صرفها عن الظاهر كالتخصيص ، ورد بأن القياس المذكور فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص ، ويجاب بأن المراد بالقياس المذكور هو الأصل المعلوم من الأصول المقررة ، وهو صالح للصرف لا القياس الذي هو إلحاق أصل بفرع حتى يرد بما ذكر ، واستدل بفعل عمر المذكور في قصة أبي سعيد المقبري من لم يشترط التنجيم في الكتابة وهم أبو حنيفة ومالك والناصر والمؤيد بالله . وذهب الشافعي والهادي وأبو العباس وأبو طالب إلى اشتراط التأجيل والتنجيم ، واستدلوا على ذلك بأن الكتابة مشتقة من الضم ، وهو ضم بعض النجوم إلى بعض ، وأقل ما يحصل به الضم نجمان ، واحتجوا أيضا بما رواه ابن أبي شيبة عن علي بلفظ : إذا تتابع على المكاتب نجمان فلم يؤد نجومه رد إلى الرق . . ولا يخفى أن مثل هذا لا ينتهض للاحتجاج به على الاشتراط ، أما أولا فلأنه قول صحابي ، وأما ثانيا فليس فيه ما يشعر بأن ذلك على جهة الحتم ، والتأجيل في الأصل إنما جعل لأجل الرفق بالعبد لا بالسيد ، فإذا قدر العبد على التعجيل وتسليم المال دفعة فكيف يمنع من ذلك . والحاصل أن التنجيم جائز بالاتفاق كما حكي ذلك في الفتح ، وأما كونه شرطا أو واجبا فلا مستند له .