الشوكاني
130
نيل الأوطار
اختياره ، قال في الفتح : ولا يخفى ضعف هذا التأويل ، ولا يفهم من قوله وقفت وحبست إلا التأبيد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه ، وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها حبيس ما دامت السماوات والأرض . قال القرطبي : راد الوقف مخالف للاجماع فلا يلتفت إليه انتهى . ومما يؤيد هنا ما ذهب إليه الجمهور حديث : أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله وهو متفق عليه ، وقد تقدم في الزكاة ، ومن ذلك حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب فإن قوله : صدقة جارية يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه ، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة ، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يباع ولا يوهب ولا يورث كما تقدم ، فإن هذا منه صلى الله عليه وآله وسلم بيان لماهية التحبيس التي أمر بها عمر ، وذلك يستلزم لزوم الوقف وعدم جواز نقضه وإلا لما كان تحبيسا والمفروض أنه تحبيس ، ومن ذلك حديث أبي قتادة عند النسائي وابن ماجة وابن حبان مرفوعا : خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاث : ولد صالح يدعو له ، وصدقة تجري يبلغه أجرها ، وعلم يعمل به من بعده . والجري يستلزم عند جواز النقض من الغير ، ومن ذلك وقف أبي طلحة الآتي . وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له : أرى أن تجعلها في الأقربين . وما روي من حديث أنس عند الجماعة أن حسان باع نصيبه منه ، فمع كون فعله ليس بحجة روي أنه أنكر عليه ، ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم علي وأبو بكر والزبير ، وسعيد وعمرو بن العاص ، وحكيم بن حزام وأنس وزيد بن ثابت ، روى ذلك كله البيهقي ، ومنه أيضا وقف عثمان لبئر رومة كما في حديث الباب . ( واحتج ) لأبي حنيفة ومن معه بما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لما نزلت آية الفرائض : لا حبس بعد سورة النساء ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بمثله ، ويجاب أيضا بأن المراد بالحبس المذكور توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده ، وقد أشار إلى مثل ذلك في النهاية . وقال في البحر : أراد حبس الجاهلية للسائبة والوصيلة والحام سلمنا ، فليس في آية الميراث منع الوقف لافتراقهما انتهى . وأيضا لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرة في سياق النفي لكان مخصصا بالأحاديث المذكورة في الباب ، واحتج لهم أيضا على عدم لزوم حكم الوقف بما رواه الطحاوي