السيد نعمة الله الجزائري
9
نور البراهين
فقال : لي : ان صاحبك هذا نأخذه معنا ويكون معك يقرأ عند المعلم . فأتى بنا إلى المكتب وأجلسنا فيه ، فقرأت أنا وصاحبي حروف الهجاء ، فأتيت اليوم الآخر إلى والدتي وقلت لها : ما أريد المكتب بل أريد اللعب مع الصبيان ، فحدثت والدي فما قبل منها ، فأيست من قبوله ، فقلت : ينبغي أن أجعل جدي وجهدي في الفراغ من قراءة المكتب ، فما مضت أيام قلائل حتى ختمت القرآن وقرأت كثيرا من القصائد والاشعار في ذلك الوقت ، وقد بلغ العمر خمس سنين وستة أشهر . فلما فرغت من قراءة القرآن جئت إلى والدتي وطلبت منها اللعب مع الصبيان ، فأقبل إلي والدي - تغمده الله برحمته - وقال لي : يا ولدي خذ كتاب الأمثلة وامض معي إلى رجل يدرسك فيها ، فبكيت فأراد إهانتي وأخذني إلى رجل أعمى ، لكنه كان قد أحكم معرفة الأمثلة والبصروية وبعض الزنجاني ، فكان يدرسني ، وكنت أقوده بالعصا وأخدمه ، وبالغت في خدمته لأجل التدريس . فلما قرأت الأمثلة والبصروية واردت قراءة الزنجاني انتقلت إلى رجل سيد من أقاربنا كان يحسن الزنجانية والكافية ، فقرأت عليه وفي مدة قراءتي عنده كان يأخذني معه كل يوم إلى بستانه ويعطيني منجلا ويقول لي : يا ولدي حش هذا الحشيش لبهائمنا ، فكنت أحش له وهو جالس يتلو علي صيغ الصرف والاعلال والادغام ، فإذا فرغت شددت الحشيش حزمة كبيرة وحملته على رأسي إلى بيته ، وكان يقول لي : لا تخبر أهلك بهذا . فلما مضى فصل الحشيش وأقبل فصل رود الإبريسم ، فكنت كل يوم أحمل له حزمة من خشب التوت حتى صار رأسي أقرع ، فقال لي والدي رحمه الله : ما لرأسك ؟ فقلت : لا أعلم ، فداواني حتى رجع شعر رأسي إلى حالته . فلما فرغت من قراءة الزنجاني وأردت قراءة الكافية قصدت إلى قرية تسمى كارون ، ونحن في قرية يقال لها : الصباغية في شط المدك ، فقرأت في تلك القرية عند رجل فاضل وأقمت عندهم ، فكنت يوما في المسجد ، فدخل علينا رجل أبيض الثياب عليه عمامة كبيرة كأنها قبة صغيرة ، وهو يرى الناس أنه رجل عالم ، فتقدمت إليه وسألته بصيغة من صيغ الصرف ، فلم يرد الجواب وتلجلج ، فقلت له : إذا كنت لا تعرف هذه الصيغة فكيف وضعت على رأسك هذه العمامة الكبيرة ؟ فضحك الحاضرون وقام الرجل من ساعته وهذا هو الذي شجعني على حفظ صيغ الصرف وقواعده ، وأنا أستغفر