السيد نعمة الله الجزائري

15

نور البراهين

فسأله رجل من العلماء لم لا يشتهر كتابك ؟ فقال : ان له عدوا فإذا مات اشتهر كتابي ، فقال له : وما هو ؟ قال : أنا وقد صدق في هذا الكلام . وبقيت في شيراز تسع سنوات تقريبا ، وقد أصابني فيها من الجوع والتعب ما لا يعلم به الا الله ، وفي خاطري أني قد بقيت يوم الأربعاء والخميس ما وقع في يدي الا الماء ، فلما أتت ليلة الجمعة رأيت الدنيا تدور بي وقد اسودت كلها في عيني ، فمضيت إلى قبة السيد أحمد بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، فأتيت إلى قبره ولزمته وقلت له : أنا ضيفك ، فكنت واقفا فإذا رجل سيد قد أعطاني قوت تلك الليلة من غير طلب ، فحمدت الله وشكرته ، ومع ما كنت فيه من الجد والاجتهاد كنت كثيرا ما أتنزه في البساتين والأماكن الحسنة مع الأصحاب والاعلام ، وفي وقت الورودات نمضي إلى البساتين ونبقى فيها أسبوعا وأقل وأكثر ، ولكن الاشتغال ما كنت أفوته من يدي ، وقد من الله علي في شيراز بأصحاب صلحاء نجباء علماء وكانوا موافقين لي في السن . ومن جملة رياضاتي للدرس أن صاحبا لي كان منزله في طرف شيراز ، وكنت أبات عنده لأجل دهن السراج حتى أطالع ، وكان لي درس أقرأه على ضوء السراج آخر الليل في مسجد الجامع ، وهو في طرف آخر من البلاد ، وأقوم من هناك وقد بقي من الليل بقية كثيرة ومعي عصا وبين ذلك المنزل وبين المسجد أسواق كثيرة ، وفي آخر الليل وليس في شئ منها سراج ، بل كلها مظلمة ، والداهية العظيمة أن عند كل دكان بقال كلب يقرب من العجل لحراسة ذلك الدكان ، وكنت أجئ وحدي من ذلك المكان البعيد ، فإذا وصلت إلى السوق لزمت جداره حتى أهتدي إلى الطريق ، وإذا وصلت إلى دكان البقال شرعت في قراءة الاشعار جهرا حتى لا يظن الكلب أني سارق ، بل كان يظن أننا جماعة عابرين الطريق ، وكنت عند كل دكان احتال على الكلب بحيلة حتى أخلص منه ، وبقيت على هذا برهة من الزمان ، وكنت في مدرسة المنصورية وحجرتي فوق ولا كنت أحب أحدا يجئ إلي ولا يمشي إلى قريب منها ، وكنت أحب الانفراد والوحدة ، وبقيت على هذه الأحوال تلك المدة . ثم كاتبني والدي ووالدتي وألحوا علي في الوصول إلى الجزائر ، فمضيت إليهم أنا وأخي سنة موج الجزائر الأخير ، لان الموج الأول موج عواد ، فلما وصلنا إلى الأهل فرحوا بنا لقدومنا ، ولان كل من مضى من تلك البلاد رجع من غير علم ، فقالت والدتي :