السيد شرف الدين

422

النص والإجتهاد

بهذا ، إذ لم ينقل عن أحد منهم عليهم السلام أنه جرى له مثل ذلك عند ابتداء الوحي إليه ، كما صرح به بعض شارحي هذا الحديث من صحيح البخاري ( 1 ) . وقد وقفنا على المحاورة التي جرت - بمقتضى هذا الحديث السخيف - بين الملك والنبي فرأينا النبي صلى الله عليه وآله بعيدا كل البعد عن فهم مراد الملك من تكليفه إياه بالقراءة ، إذ قال له : اقرأ . فقال : ما أنا بقارئ ، فإن مراد الملك أن يتابعه النبي صلى الله عليه وآله فيما يتلوه عليه ، لكن النبي إنما فهم منه أن ينشئ القراءة في حال أنه لم يكن قارئا ، وكأنه ظن - والعياذ بالله - أن يكلفه بغير المقدور وكل ذلك ممتنع ومحال ، وما من شك في أنه فرية ضلال ، وهل يليق بالنبي صلى الله عليه وآله أن لا يفهم خطاب الملك ؟ أو يليق بالملك إن يكون قاصرا عن الأداء فيما يوحيه عن الله ، تعالى الله وملائكته ورسله عن ذلك . فالحديث باطل من حيث متنه ، وباطل من حيث سنده ، وحسبك في بطلانه من هذه الحيثية كونه من المراسيل ، بدليل أنه حديث عما قبل ولادة عائشة بسنين عديدة فإنها إنما ولدت بعد المبعث بأربع سنين في أقل ما يفرض ، فأين هي عن مبدء الوحي ؟ وأين كانت حين نزول الملك في غار حراء على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فإن قلت : أي مانع لها أن تسند هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله إذا سمعته ممن حضر مبدأ الوحي . قلنا : لا مانع لها من ذلك ، غير أن هذا الحديث في هذه الصورة لا يكون حجة ، ولا يوصف بالصحة ، وإنما يكون مرسلا ، حتى نعرف الذي سمعته

--> ( 1 ) تجده في باب بدء الوحي من الجزء الأول من صحيح البخاري . وفي تفسير سورة إقرأ من جزئه الثالث ، وأخرجه أيضا في التعبير والإيمان . وتجده في الإيمان من صحيح مسلم . وأخرجه الترمذي والنسائي في التفسير ( منه قدس ) .