الشوكاني

317

نيل الأوطار

وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها ، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة كما عرفت . باب أن من باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها عن ابن إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت : يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا ، فقالت لها عائشة : بئس ما اشتريت وبئس ما شريت ، إن جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بطل إلا أن يتوب رواه الدارقطني . الحديث في إسناده الغالية بنت أيفع ، وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح ، وقرر كلامه ابن كثير في إرشاده ، وفيه دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمن نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول ، أما إذا كان المقصود التحيل لاخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة ، وسيأتي الخلاف في بيع العينة في الباب الذي بعد هذا . والصورة المذكورة هي صورة بيع العينة ، وليس في حديث الباب ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن هذا البيع ، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص من الشارع ، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة ، أو على جهة الخصوص كحديث العينة الآتي ، ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم ، لأن مخالفة الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للاحباط .