الشوكاني

178

نيل الأوطار

الحرم ؟ وكان عطاء يقول : لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم ، ووافقه ابن إسحاق ، وقال غيره من أهل المغازي : إنما نحر في الحل . ( فائدة ) : لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى في كتابه هذا زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الموطن الذي يحسن ذكرها فيه كتاب الجنائز ، ولكنها لما كانت تفعل في سفر الحج في الغالب ذكرها جماعة من أهل العلم في كتاب الحج فأحببنا ذكرها ههنا تكميلا للفائدة . ( وقد اختلفت ) فيها أقوال أهل العلم ، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة ، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة ، وقالت الحنفية : إنها قريبة من الواجبات . وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنف المعروف بشيخ الاسلام إلى أنها غير مشروعة ، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة ، وروي ذلك عن مالك والجويني والقاضي عياض كما سيأتي . ( احتج القائلون ) بأنها مندوبة بقوله تعالى * ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ) * ( سورة النساء ، الآية : 64 ) الآية ، ووجه الاستدلال بها أنه صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره بعد موته كما في حديث : الأنبياء أحياء في قبورهم وقد صححه البيهقي وألف في ذلك جزءا ، قال الأستاذ أبو منصور البغدادي : قال المتكلمون المحققون من أصحابنا : إن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم حي بعد وفاته ، انتهى . ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم ، وإذا ثبت أنه حي في قبره كان المجئ إليه بعد الموت كالمجئ إليه قبله ، ولكنه قد ورد أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث ، وروي فوق أربعين ، فإن صح ذلك قدح في الاستدلال بالآية ، ويعارض القول بدوام حياتهم في قبورهم ما سيأتي من أنه صلى الله عليه وآله وسلم ترد إليه روحه عند التسليم عليه ، نعم حديث : من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي الذي سيأتي إن شاء الله تعالى إن صح فهو الحجة في المقام ، واستدلوا ثانيا بقوله تعالى : * ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ) * ( سورة النساء ، الآية : 100 ) الآية ، والهجرة إليه في حياته الوصول إلى حضرته ، كذلك الوصول بعد موته ، ولكنه لا يخفى أن الوصول إلى حضرته في حياته فيه فوائد لا توجد في الوصول إلى حضرته بعد موته ، منها : النظر إلى ذاته الشريفة ، وتعلم أحكام الشريعة منه ، والجهاد بين يديه وغير ذلك . واستدلوا ثالثا بالأحاديث الواردة في ذلك منها : الأحاديث الواردة في مشروعية زيارة القبور على