الشوكاني

144

نيل الأوطار

وبعد طلوع الفجر جاز ، وإن رماها قبل الفجر أعاد وحكى المهدي في البحر عن العترة والشافعي أن وقت الرمي من ضحى يوم النحر ، واستدل القائلون بأن وقت الرمي من وقت الضحى بحديث الباب وبحديث ابن عباس الآتي ، قالوا : وإذا كان من رخص له النبي صلى الله عليه وآله وسلم منعه أن يرمي قبل طلوع الشمس فمن لم يرخص له أولى . ( واحتج المجوزون ) للرمي قبل الفجر بحديث أسماء الآتي ، ولكنه مختص بالنساء كما سيأتي ، ولا حاجة إلى الجمع بينه وبين حديث ابن عباس ، بحمل حديث ابن عباس على الندب كما ذكره صاحب الفتح . قال ابن المنذر : السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة ، ومن رماها حينئذ فلا إعادة عليه ، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه انتهى . والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له ، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهن من الضعفة جاز قبل ذلك ، ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعا ، وسيأتي بقية الكلام على هذا . ( واعلم ) أنه قد قيل : إن الرمي واجب بالاجماع كما حكي ذلك في البحر ، واقتصر صاحب الفتح على حكاية الوجوب عن الجمهور وقال : إنه عند المالكية سنة ، وحكي عنهم أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه . وحكي ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع حفظا للتكبير ، فإن تركه وكبر أجزأه ، والحق أنه واجب لما قدمنا من أن أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى * ( ولله على الناس حج البيت ) * ( سورة آل عمران ، الآية : 97 ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا عني مناسككم . قوله : على راحلته استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل ، وبه قالت الشافعية والحنفية والناصر والامام يحيى . وقال : الهادي والقاسم : إن رمي الراجل أفضل ، وأجابوا عن الحديث بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان راكبا لعذر الازدحام . قوله : لتأخذوا بكسر اللام ، قال النووي : هي لام الامر ومعناه خذوا مناسككم ، قال : وهكذا وقع في رواية غير مسلم ، وتقدير الحديث أن هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته ، والمعنى : اقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس . قال النووي وغيره : هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج ، وهو نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة : صلوا كما رأيتموني أصلي قال القرطبي : ويلزم من هذين الأصلين أن