الشيخ المحمودي
53
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
لأنس بك . قال : ما كنت أعرف أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره . وقال بعض العلماء : إنما يستوحش الانسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة ، فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بهم ، فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ، ويستخرج العلم والحكمة . وكان يقال : الاستئناس بالناس من علامات الافلاس . وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد ، فجاء إليه أخ له ، فقال : ما جاء بك . قال : المؤانسة . قال : هي والله بالمواحشة أشبه ، هل تريد الا أن تتزين لي وأتزين لك ، وتكذب لي واكذب لك ، اما ان تقوم عني واما أن أقوم عنك . وقال بعضهم : ما أحب الله عبدا الا أحب ألا يشعر به خلقه . وقال ابن السماك : كتب الينا صاحب لنا : أما بعد فان الناس كانوا دواء يتداوى به ، فصاروا داء لا دواء لهم ، ففر منهم فرارك من الأسد . وكان بعضهم يلازم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك ، قال : لم أر أسلم من الوحدة ، ولا أوعظ من قبر ، ولا أمتع من دفتر . وقال بعض الصالحين : كان الناس ورقا لا شوك فيه ، فالناس اليوم شوك لا ورق فيه . وقال سفيان عيينة : قال لي سفيان الثوري في اليقظة في حياته ، وفي المنام بعد مماته : أقلل معرفة الناس ، فان التخلص منهم شديد ، ولا أحسبني رأيت ما اكره الا ممن عرفت . وقال أبو الدرداء : اتقوا الله واحذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير ألا ادبروه ، ولا ظهر جواد الا عقروه ، ولا قلب مؤمن الا أخربوه . وقال بعضهم أقلل المعارف فإنه أسلم لدينك وقلبك ، واخف لظهرك وأدعى إلى سقوط الحق عنك ، لأنه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق