الشيخ المحمودي
47
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
إذا لقوك تملقوك ، وإذا غبت عنهم سلقوك ، من أتاك منهم كان عليك رقيبا ، وإذا خرج منك كان عليك خطيبا ، أهل نفاق وتهمة ، وأصحاب غل وخديعة لا تغر باجتماعهم عليك ، فما غرضهم العلم والكمال والحال ، بل الجاه والمال وأن يتخذوك سلما لأوطارهم ، وحمارا في أثقالهم وأوزارهم ، ان قصرت في غرض من أغراضهم كانوا أشد أعوان عليك ، ويرون ترددهم إليك حقا واجبا لديك ، ويتوقعون منك أن تبذل عرضك ودينك لهم ، فتعادي عدوهم ، وتنصر قرينهم وخليلهم ، وتنتهض لهم سفيها ، وتكون لهم تابعا خسيسا ، بعد أن كنت متبوعا ورئيسا ، ولذلك قيل : اعتزال العامة مروءة تامة ، وهو كلام حق ، لأنا نرى المدرسين في زماننا كأنهم في رق دائم ، وتحت حق لازم ، ذمته ثقيلة ممن يتردد إليه ، فكأنه يهدي تحفة لديه ، وربما لا يختلف عليه في الأدوار حتى يتكلف برزق له على الأوزار ، ثم المدرس المسكين ، والمولى الضعيف الدين ، لعجزه عن القيام بذلك من ماله لا يزال يتردد إلى أبواب المتسلطين ، ويقاسي الشدائد والذل ، مقاساة الذليل المهين ، حتى يكتب له بعد الابرام التام ، على بعض وجوه السحت مال حرام ، ثم يبقى في مخمصة القسمة على الأصحاب ، والتوزيع على الكلاب ، ان سوى بينهم مقته المبرزون ونسبوه إلى الحمق والجهالة والقصور عن درك المصارف ، والفتور عن القيام في مقادير الحقوق بالعدل ، وان فرق بينهم سلقه السفهاء بألسنة حداد وثاروا عليه ثورة الأسد والآساد ، فلا يزال في عناء ومشقة في الدنيا ، ومظالم مما يأخذه في العقبى ، والعجب منه انه مع ذلك كله والداء جله ، يزعم أنه فيما يفعله مريد لوجه الله ، ومذيع شرع رسول الله ، وناشر علم دين الله ، وقائم بكفاية طلاب العلم ، ولو لم يكن مضحكة للشيطان ، وسخرة لإخوان الزمان ، يعلم أن فساد الزمان لا سبب له الا كثرة أمثال أولئك الأشخاص في هذا الأوان .