الشيخ المحمودي
86
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
- 4 - ومن وصية له عليه السلام رواها حافظ الشيعة وصدوق الشريعة ابن بابويه رحمه الله ، عن إبراهيم ابن الوليد ، عن محمد بن أحمد الكاتب رفعه ، ان أمير المؤمنين عليه السلام قال لبنيه : يا بني إياكم ومعاداة الرجال ، فإنهم لا يخلون من ضربين ، من عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم ، والكلام ذكر والجواب أنثى ، فإذا اجتمع الزوجان فلابد من النتاج ، ثم أنشأ عليه السلام يقول : سليم العرض من حذر الجوابا ومن داري الرجال فقد أصابا ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا ( 1 )
--> ( 1 ) هاب يهاب ويهيب ( من باب خاف وباع ) هيبا وهيبة ومهابة - فلانا أي عظمه ووقره ، ومراده عليه السلام : ان من أراد المهابة والجلالة والتوقير والاحترام فلابد له من تجرع الغصص وتحمل المرارة بتعظيم الناس ، وغض النظر عن سوء سيرتهم وسريرتهم ، وانهم غير مستحقين للاحترام ، بل أهل للتوهين والملام ، إذ بالمعاملة بالمثل وقدر الاستحقاق يختل نظام المجتمع ، ويؤول أمر الصداقة والمحبة إلى العداوة والبغضاء ، فلابد للعاقل أن لا ينظر إلى قابلية الأشخاص ، بل ينظر إلى قابليته وشخصيته ، فيوصل من قطعه ، ويقرب من هجره ، ويعفو عمن ظلمه ، ويحسن إلى من أساء إليه ، ويذكر بالحسن من اغتابه وآذاه باللسان ، ويتفقد من نسيه ، وينصر من خذله ، إلى غير ذلك من انحاء مجازاة الإساءة بالاحسان ، وهذا هو الذي حث عليه الشارع المقدس ببيانات مختلفة وتأكيدات بليغة لا تحصى ، وبهذا العمل يجتمع الشمل المبدد ، والنظام المختل ، ويحسن هذا الصنيع ترتفع البغضاء ، وترجع العداوة إلى الصداقة ، والمنافرة إلى المؤانسة والعلاقة ، ويجتث أصل الحقد ، ويستأصل بذر الغل ، كما قال الله تبارك وتعالى : " ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " إذ النفوس غالبا مجبولة على المقابلة بالمثل ، وجزاء الاحسان بالاحسان ، ومكافأة الإساءة باضعافها من الشرارة والطغيان ، وأنشد الإمام الصادق ( ع ) : تنح عن القبيح فلا ترده . ثم قال لابنه الإمام الكاظم ( ع ) وهو صبي : يا بني تممه ، فأتمه الإمام الكاظم عليه السلام بقوله : ومن أوليته حسنا فزده . ثم قال الإمام الصادق عليه السلام : ستلقى من عدوك كل كيد . فأجابه الإمام الكاظم ( ع ) بقوله : إذا كاد العدو فلا تكده . وروى الشيخ الصدوق طاب ثراه مسندا في عيون أخبار الرضا كلاما طويلا من أسئلة المأمون عن الإمام الرضا عليه السلام ، منها : أنه قال للإمام الرضا عليه السلام : أنشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدو حتى يكون صديقا ، فقال : الرضا عليه السلام : وذى غلة سالمته فقهرته * فأو قرته مني لعفو التجمل ومن لا يدافع سيئات عدوه * باحسانه لم يأخذ الطول من عل ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا * لغمر قديم من وداد معجل فقال المأمون : ما أحسن هذا ، هذا من قاله ؟ فقال عليه السلام : بعض فتياننا ، الخ . وروى الشيخ الطوسي ( ره ) في الحديث 22 ، من المجلس ، من أماليه ، مسندا عن رسول الله ( ص ) أنه قال : إياكم ومشاجرة الناس ، فإنها تظهر الغرة ، وتدفن العزة .