الشيخ المحمودي

70

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

زمانة ، ونفسه من تلف ، وماله من بوار ، وحبيبه من فراق ، وكل ذلك يشهد شهادة قطعية انه فقير إلى ربه ، ذليل في قبضته ، محتاج إليه ، لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه ، وعمر آخرته بتخريب دنياه ، وإذا اعترضته بحار المكاره جعل معابرها الصبر والتأسي ، لم يغتر بتتابع النعم ، وابطاء حلول النقم ، وأدام صحبة التقى ، وفطم النفس عن الهوى ، فإنما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها ، ولا يمكنه أن يزيد فيها ، ومثل ذلك يوشك فناؤه ، وسرعة زواله . وقالت حرقة بنت النعمان ، حين حضرت عند سعد بن أبي وقاص : ان الدنيا دار زوال ، ولا تدوم على حال ، تنتقل بأهلها انتقالا ، وتعقبهم بعد حال حالا ، كنا ملوك هذا المصر ، يجبى لنا خراجه ، ويطيعنا أهله مدى المدة ، وزمان الدولة ، فلما أدبر الامر وانقضى ، صاح بنا صائح الدهر ، فصدع عصانا ، وشتت شملنا ، وكذلك الدهر يا سعد ، انه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة ، ثم أنشأت تقول : فبينا نسوس الناس والامر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرف فقال سعد : قاتل الله عدي بن زيد ، كأنه ينظر إليها حيث يقول : إن للدهر صولة فاحذرتها * لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى فيردى * ولقد كان آمنا مسرورا فبينا هي واقفة ، إذ دخل عمرو بن معد يكرب ، وكان زوارا لأبيها في الجاهلية ، فلما نظر إليها ، قال : أنت حرقة ؟ قالت نعم . قال : فما دهمك فأذهب محمودات شيمك ، وأين تتابع نعمتك ، وسطوات نقمتك ؟ فقالت : يا عمرو ! ان للدهر لسطوات وعثرات وعبرات ، تعثر بالملوك وأبنائهم ، فتخفضهم بعد رفعة ، وتفردهم بعد منعة ، وتذلهم بعد عزة ، ان هذا الامر