الشيخ المحمودي
318
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
واعلم أن أمامك مهالك ومهاوي وجسورا وعقبة كئودا ( 63 ) لا محالة أنت هابطها . وإن مهبطها إما على جنة أو على نار فارتد ( 64 ) لنفسك قبل نزولك إياها ، وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة ( 65 ) فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه ، فاغتنمه وحمله وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده وإياك أن تثق لتحميل زادك بمن لا ورع له ولا أمانة ، فيكون مثلك مثل ظمآن رأى سرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ( 66 ) فتبقى في
--> ( 63 ) المهاوي جمع المهوى والمهواة - على زنة المرضى والمرضاة - وهي مسقط الشئ من محل عال ، ولذا يستعمل فيما بين الجبلين ونحوه من الفرجة والوهدة العميقة . والعقبة : اسم لقطعة من الجبال يصعب ارتقاؤها ، ويقال لها بالفارسية ( گردنة ) وكئود وكأداء - كثمود وصحراء - اي شاقة المصعد . ( 64 ) أي فاطلب المنجى لنفسك قبل نزول دركات الآخرة ، وحلول عقبات القيامة ، إذ بعد النزول فيها لا حيلة لاختيار ما ينجي وتحصيل ما ينتفع به . ( 65 ) وما في هذا البيان الرباني من الحث والتأكيد على إعانة الضعفاء ، واغتنام الانفاق في سبيل الله عند القدرة مما لا يحيط به البيان ، ولا يجري لشرحه كما هو حقه قلم ولا لسان . وقال الفيض ( ره ) : حمل زاد القيامة أهل الفاقة كناية عن الانفاق في سبيل الله ، وكل خير معروف لله . ( 66 ) هذا الكلام يحتمل معنيين : الأولى - أن يكون تحذيرا عن صرف المعروف في غير أهله ، وبذل الاحسان لغير مستحقه ، فمن وضع نائله في غير الصلحاء ، وجاد بمعروفه على غير مستحقه من المساكين والفقراء ، يحسب أنه يحسن صنعه ، وحصل زاده ، فإذا قامت القيامة ، وكشف عنه غطاؤه ، علم أن ما تخيله ماء لم يكن الا سرابا فيبقى في عقبات القيامة بلا زاد . وهذا المعنى اخترناه سابقا ، وسنذكر شواهده من الاخبار . واحتملنا أخيرا أن يكون مراده ( ع ) من الكلام التحذير من ايكال الامر - وما ينبغي للمكلف أن يأتي به بنفسه من الواجبات والمستحبات - إلى غيره ، إذا لم يكن الموكول إليه ورعا ولا أمينا ، فمن لم يعمل هو بوظيفته ، ولم يؤد بنفسه خيراته إلى أهله ، بل فوض أداء خيراته أو تكاليفه القابلة للنيابة إلى غيره مع كونه غير امين ولا ورع - بل مع عدم احراز أمانته وورعه - فقصته بالنسبة إلى زاد القيامة ، والادخار ليوم الفاقة كقصة ظمآن رأى سرابا بقيعة فحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فبقي عطشانا في وادي الهلاكة .