الشيخ المحمودي

29

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

علم المبدأ والمعاد ، وعرفان الرب والنفس ، أم المراد أعم منه ومن العلوم التي فائدتها منحصرة في الحياة الدنيا ، والاستنتاج والانتفاع من متاعها ، كالصنائع والرياضيات والهندسيات وغيرها ؟ ربما ادعى بعض المشغوفين بنتائج الصنائع ، القاصرين طرفهم على لذات الماديات ، البعيدين عن الكمالات المعنوية : ان المراد من العلم الذي وقع التحضيض عليه ، والترغيب فيه من الشارع هو معناه العام ، ومفهومه الشامل السعي المنطبق بحسب وضعه اللغوي على كل ادراك وكشف قائم بالنفس ، سواء كان المنكشف دنيويا أو أخرويا ، وسواء أكان من المعنويات والمجردات ، أم من الماديات ، وسواء أكان له مساس بعرفان الرب والنفس ، أم لا ولكن يقال في جواب أصل السؤال ، وفي تفنيد قول من زعم أن المراد من العلم مطلق إحاطة الفكر على الأشياء وخواصها ولوازمها ومنافعها : ان المتأمل في الآثار الواردة عن الشارع ، وحفاظ الشريعة ، وأوعية علم الله ، يقطع بأن المراد من العلم المرغب فيه من جانب الشرع ، هو العلم الذي ينجي من الهلاك ، ويقرب الانسان إلى الله ، ويعرفه الرب ، فيحمله على اطاعته وإطاعة سفرائه وخلفائه ، ويعرفه نفسه ، فيحمله على التحلي بالكمالات النفسانية ، والتخلي عن الرذائل الأخلاقية . وان من ادعى بالنظر البدوي : شمول العلم حتى للصنائع والفنون المادية ، فهو عن صراط الحق لناكب ، وعن نيل الحقيقة لبعيد . ومن تصفح آثار المعصومين ، وتعمق فيها أدنى تعمق ينكشف له جليا ان مرادهم من العلم الذي حثوا عليه ، ورغبوا فيه غاية الترغيب ، هو علم المبدأ والمعاد ، وان غيره ليس بعلم . فالعلم في عرف الشرع ، إذا أطلق مجردا عن القرينة يراد منه عرفان مقام الربوبية والعبودية ، وما يتبعهما من معرفة النبي والوصي ، وما يقرب