الشوكاني

80

نيل الأوطار

البصري وابن المسيب ، وإليه ذهب العترة واستدلوا بالأحاديث التي ذكرناها ، وأجاب عنها القائلون بأنه لا يصلى على الشهيد ، فقالوا : أما حديث جابر ففيه متروك كما تقدم ، وأما حديث شداد بن الهاد فهو مرسل لأن شدادا تابعي ، وقد أجيب عنه بما تقدم عن البيهقي ، وبأن المراد بالصلاة الدعاء ، وأما حديث أنس فقد تقدم أن البخاري والترمذي والدارقطني قالوا بأنه غلط فيه أسامة ، وقد قال البيهقي عن الدارقطني أن قوله فيه : ولم يصل على أحد من الشهداء غيره ليست بمحفوظة ، على أنه يقال : الحديث حجة عليهم لا لهم ، لأنها لو كانت واجبة لما خص بها واحدا من سبعين . وأما حديث عقبة فلنبدأ بتقرير الاستدلال به ، ثم نذكر جوابه وتقريره ما قاله الطحاوي أن معنى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم عليهم لا يخلو من ثلاثة معان ، إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم ، أو يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة ، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة ، وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء ، ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم ، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى اه . وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورا أخر منها أن تكون من خصائصه ، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء ، ثم هي واقعة عين لا عموم لها فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد ثبت ؟ وأيضا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره الطحاوي ، كذا قال الحافظ ، وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص خلاف الأصل ، ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردها قوله في الحديث صلاته على الميت ، وأيضا قد تقرر في الأصول أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية ، فلو فرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعين المصير إلى حمل الصلاة على حقيقتها الشرعية وهي ذات الأذكار والأركان ، ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردها أن الأصل فيما ثبت لواحد أو لجماعة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ثبوته للغير ، على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها فيقال : ترك الصلاة على الشهداء في يوم أحد واقعة عين لا عموم لها ، فلا تصلح للاستدلال بها على مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت ، ووقوع الصلاة منه على خصوص الشهيد في غيرها كما في حديث شداد بن الهاد وأبي سلام . وأما حديث ابن عباس وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم فأجاب عن ذلك الشافعي بأن الاخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى