الشوكاني

344

نيل الأوطار

عليه وآله وسلم كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم شهرا كاملا إلا رمضان . وأجابوا عن حديث أبي موسى بحمله على من صامه جميعا ولم يفطر في الأيام المنهي عنها كالعيدين وأيام التشريق ، وهذا هو اختيار ابن المنذر وطائفة . وأجيب عنه بأن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا صام ولا أفطر لمن سأله عن صوم الدهر أن معناه أنه لا أجر له ولا إثم عليه ، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه أثم بصومها بالاجماع . وحكى الأثرم عن مسدد أنه قال معنى حديث أبي موسى ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها ، وحكى مثله ابن خزيمة عن المزني ورجحه الغزالي . والملجئ إلى هذا التأويل أن من ازداد الله عملا صالحا ازداد عنده رفعة وكرامة . قال في الفتح : وتعقب بأن ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربا ، بل رب عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدا ، كالصلاة في الأوقات المكروهة انتهى . وأيضا لو كان المراد ما ذكروه لقال : ضيقت عليه ، واستدلوا على الاستحباب بما وقع في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو بلفظ : فإن الحسنة بعشرة أمثالها وذلك مثل صيام الدهر . وبما تقدم في حديث : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر . وبما تقدم في صيام أيام البيض أنه مثل صوم الدهر . قالوا : والمشبه به أفضل من المشبه ، فكان صيام الدهر أفضل من هذه المشبهات ، فيكون مستحبا وهو المطلوب . قال الحافظ : وتعقب بأن التشبيه في الامر المقدر لا يقتضي جواز المشبه به فضلا عن استحبابه ، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما . ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة ، فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه ، واختلف المجوزون لصيام الدهر هل هو الأفضل أو صيام يوم وإفطار يوم ؟ فذهب جماعة منهم إلى أن صوم الدهر أفضل ، واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملا فيكون أكثر أجرا ، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن زيادة الاجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء العادة التقصير في حقوق أخرى ، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع ، وقد حكم بأن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام ، هذا معنى كلامه ، ومما يرشد إلى أن صوم الدهر من جملة الصيام المفضل عليه صوم يوم وإفطار يوم ، أن ابن عمرو طلب أن يصوم زيادة على ذلك المقدار ، فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أفضل الصيام .