الشوكاني
338
نيل الأوطار
فعله صلى الله عليه وآله وسلم لما نهى عنه نهيا يشمله يكون مخصصا له وحده من العموم ، ونهيا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضا له إذا لم يقم دليل يدل على التأسي به في ذلك الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسي العامة ، فإنها مخصصة بالنهي للأمة لأنه أخص منها مطلقا . ومن غرائب المقام ما احتج له بعض المالكية على عدم كراهة صوم يوم الجمعة فقال : يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده ، وهذا قياس فاسد الاعتبار ، لأنه منصور في مقابلة النصوص الصحيحة ، وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن ، وقد رأيت بعضهم يصومه وأراه كان يتحراه ، قال النووي والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره ، وقد ثبت النهي عن صوم الجمعة فيتعين القول به ، ومالك معذور فإنه لم يبلغه . قال الداودي من أصحاب مالك : لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه . ( وقد اختلف ) في سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح منها لكونه عيدا ، ويدل على ذلك رواية أحمد المذكورة في الباب ، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الاذن من الشارع بصومه مع غيره ، وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه ، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم . ومنها لئلا يضعف عن العبادة ورجحه النووي . قال في الفتح : وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه . وأجاب النووي بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتور أو تقصير . قال الحافظ : وفيه نظر ، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الجبر ، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده ، كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك ، وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق منه القوة ، ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه . ومنها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت ، قال في الفتح : وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام وخوف اعتقاد وجوبه . قال في الفتح أيضا : وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس . ومنها خشية أن يفرض عليهم كما خشي صلى الله عليه وآله وسلم من قيام الليل ذلك قاله المهلب . قال في الفتح : وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره ، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده صلى الله عليه وآله وسلم لارتفاع الخشية . ومنها مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم ،