الشوكاني
332
نيل الأوطار
يصومه إلا قليلا . وقد جمع بين هذه الروايات بأن المراد بالكل والتمام الأكثر . وقد نقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال : جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال : صام الشهر كله ، ويقال : قام فلان ليلته أجمع ، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره . قال الترمذي : كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك ، وحاصله أن رواية الكل والتمام مفسرة برواية الأكثر ومخصصة بها ، وأن المراد بالكل الأكثر ، وهو مجاز قليل الاستعمال ، واستبعده الطيبي قال : لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز ، فتفسيره بالبعض مناف له ، قال : فيحتمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى ، لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان ، وقيل : المراد بقولها كله أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخر ، ومن أثنائه طورا ، فلا يخلي شيئا منه من صيام ، ولا يخص بعضا منه بصيام دون بعض . وقال الزين بن المنير : إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة والمراد الأكثر ، وإما أن يجمع بأن قولها إنه كان يصومه كله متأخر عن قولها إنه كان يصوم أكثره ، وأنها أخبرت عن أول الأمر ثم أخبرت عن آخره ، ويؤيد الأول قولها : ولا صام شهرا كاملا قط منذ قدم المدينة غير رمضان أخرجه مسلم والنسائي . ( واختلف ) في الحكمة في إكثاره صلى الله عليه وآله وسلم من صوم شعبان فقيل : كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان ، أشار إلى ذلك ابن بطال ، ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان ولكن في إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف . وقيل : كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان ، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الصوم أفضل بعد رمضان ؟ فقال : شعبان لتعظيم رمضان . ولكن إسناده ضعيف لأن فيه صدقة ابن موسى وليس بالقوي . ( وقيل الحكمة ) في ذلك أن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم معهن . وقيل : الحكمة أنه يتعقبه رمضان وصومه مفترض فكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره ، لما يفوته من التطوع الذي يعتاده بسبب صوم رمضان ، والأولى أن الحكمة في ذلك غفلة الناس عنه لما أخرجه النسائي وأبو داود وصححه ابن