الشوكاني
305
نيل الأوطار
حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا ، وقد قيل : إن هذا السفر هو غزوة الفتح وهو وهم لأن أبا الدرداء ذكر ابن عبد الله بن رواحة كان صائما في هذا السفر ، وهو استشهد بموته قبل غزوة الفتح بلا خلاف ، وإن كانتا جميعا في سنة واحدة . وأيضا الذين صاموا في غزوة الفتح جماعة من الصحابة ، ولم يستثن أبو الدرداء في هذه الرواية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عبد الله بن رواحة . ( وفي هذا الحديث ) دليل على أنه لا يكره الصوم لمن قوي عليه . قوله : في السفر في رواية للبخاري وابن خزيمة أنها غزوة الفتح . قوله : ورجلا قد ظلل عليه زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل وعزا ذلك إلى مبهمات الخطيب ، ولم يقل ذلك في هذه القصة ، وإنما قاله في قصة الذي نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ، وكان ذلك يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب . قال الحافظ : لم نقف على اسم هذا الرجل . قوله : ليس من البر الخ ، قد أشار البخاري إلى أن السبب في قوله صلى الله عليه وآله وسلم هذه المقالة هو ما ذكر من المشقة التي حصلت للرجل الذي ظلل عليه . وفي ذلك دليل على أن الصيام في السفر لمن كان يشق عليه ليس بفضيلة . ( وقد اختلف السلف ) في هذه المسألة أعني صوم رمضان في السفر فقالت طائفة : لا يجزئ الصوم عن الفرض ، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر ، وهو قول بعض الظاهرية ، وحكاه في البحر عن أبي هريرة وداود والامامية . قال في الفتح : وحكي عن عمر وابن عمرو وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم انتهى . واحتجوا بقوله تعالى : * ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) * ( البقرة : 184 ) قالوا : لأن ظاهر قوله فعدة أي فالواجب عليه عدة ، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدة . واحتجوا أيضا بما في حديث ابن عباس المذكور في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفطر في السفر وكان ذلك آخر الامرين ، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر ، فالآخر من فعله ، فزعموا أن صومه صلى الله عليه وآله وسلم في السفر منسوخ ، وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري في الجهاد ، وكذلك وقعت عند مسلم مدرجة ، وبأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صام بعد هذه القصة كما في حديث أبي سعيد المذكور في آخر الباب بلفظ : ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول