الشوكاني
298
نيل الأوطار
لفظ أظل على المجاز وعلى التنزل ، فلا يضر شئ من ذلك ، لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا يجري عليه أحكام المكلفين . وقال الزين بن المنير : هو محمول على أن أكله وشربه في تلك الحال كحالة النائم الذي يحصل له الشبع والري بالاكل والشرب ، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ ، فلا يبطل بذلك صومه ، ولا ينقطع وصاله ، ولا ينقص من أجره . وقال الجمهور : هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال : يعطيني قوة الآكل الشارب ، وهذا هو الظاهر . قوله : إياكم والوصال وقع في رواية لأحمد مرتين . وفي رواية لمالك ثلاث مرات وإسنادها صحيح . قوله : فأكلفوا بسكون الكاف وبضم اللام أي احملوا من المشقة في ذلك ما تطيقون . وحكى عياض عن بعضهم أنه قال : هو بهمزة قطع ولا يصح لغة . قوله : رحمة لهم استدل به من قال : إن الوصال مكروه غير محرم ، وذهب الأكثر إلى تحريم الوصال . وعن الشافعية وجهان : التحريم والكراهة . ( وأحاديث ) الباب تدل على ما ذهب إليه الجمهور وأجابوا بأن قوله رحمة لا يمنع التحريم ، فإن من رحمته لهم أن حرمه عليهم . ومن أدلة القائلين بعدم التحريم ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه واصل بأصحابه لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال ، فواصل بهم يوما ثم يوما ، ثم رأوا الهلال فقال : لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا ، هكذا في البخاري وغيره ، وأجاب الجمهور عن ذلك بأن مواصلته صلى الله عليه وآله وسلم بهم بعد نهيه لهم فلم يكن تقريرا بل تقريعا وتنكيلا ، واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم ، لأنهم إذا باشروه ظهرت لهم حكمة النهي ، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم ، لما يترتب عليه من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك . ومن الأدلة على أن الوصال غير محرم حديث الرجل من الصحابة الذي قدمنا ذكره ، فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرم الوصال . ومنها ما رواه البزار والطبراني من حديث سمرة قال : نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصال وليس بالعزيمة ومنها إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي ، فإن ذلك يدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم كما قال الحافظ ، وقد ذهب إلى جوازه مع عدم المشقة عبد الله بن الزبير ، وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوما ، وذهب