الشوكاني
176
نيل الأوطار
الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين ، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية ، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد : مسجد مكة ، ومسجد المدينة ، ومسجد عبد القيس ، قال : والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة ، فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الامام ، وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي ، وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة ، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الامرين وأهمهما ، وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب عليه السلام إذ كانوا منفردين في زمانه لم يخلطوا بأهل الشرك ، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولم يمنعها ، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع ، فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم ، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب ، فراجع أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس الحديث ، وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه ، فقال له أبو بكر : إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها ، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة ، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه . وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ، ومن أبي بكر بالقياس ، ودل ذلك إلى أن العموم يخص بالقياس ، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته ، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم ، وهو معنى قوله : فعرفت أنه الحق يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها ، والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة . وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر أول من سبى المسلمين ، وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة ، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى : * ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) * ( التوبة : 103 ) خطاب خاص في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره ، وأنه مقيد بشرائط لا