الشوكاني
157
نيل الأوطار
حصر ، فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا انتهى . ومن التأويلات ما حكاه الخطابي أن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه ، وذلك أن شدة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه ، وفي تلك الحال يسأل ويبتدأ به عذاب القبر ، فيكون معنى الحديث على هذا أن الميت يعذب حال بكاء أهله عليه ، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببا لتعذيبه . قال الحافظ : ولا يخفى ما فيه من التكلف ، ولعل قائله أخذه من قول عائشة : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه ، وأن أهله ليبكون عليه الآن أخرجه مسلم . ومنها ما جزم به القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه ، وأن اللام في الميت لمعهود معين ، واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث عائشة أنها قالت : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكن نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية فذكرت الحديث . وأخرج البخاري نحوه عنها . ومنها أن ذلك يختص بالكافر دون المؤمن ، واستدل لذلك بحديث عائشة المذكور في الباب ، قال في الفتح : وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة ، وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر ، بل بما استشعرت من معارضة القرآن . وقال القرطبي : إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة والنسيان ، وعلى أنه سمع بعضا أو لم يسمع بعضا بعيد ، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون ، فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح . ومنها أن ذلك يقع لمن أهمل نهي أهله عن ذلك ، وهو قول داود وطائفة ، قال ابن المرابط : إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح ، وعرف أن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه ، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده . ومنها أنه يعذب بسبب الأمور التي يبكيه أهله بها ويندبونه لها ، فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه ، وذلك كالشجاعة فيما لا يحل ، والرياسة المحرمة ، وهذا اختيار ابن حزم وطائفة ، واستدل بحديث ابن عمر المتقدم بلفظ : ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه . وقد رجح هذا الإسماعيلي وقال : قد كثر كلام العلماء في هذه المسألة ، وقال : كل فيها باجتهاده على حسب ما قدر له ، ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه ، وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغزون ويسبون ويقتلون ، وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة ، فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به ،