الشيخ المحمودي
455
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق خلفه ، فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته ، وقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم [ كذا ] ، وهو في ذلك غني عنهم لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من عصاه منهم ، لكنه تعالى علم قصورهم عما تصلح عليه شؤنهم وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم ، فارتبطهم بإذنه في أمره ونهيه ( 5 ) فأمرهم تخييرا وكلفهم يسيرا ، وأثابهم كثيرا ، وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته بين المؤجف من أنامه إلى مرضاته ومحبته ، وبين المبطئ عنها ( 6 ) والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته ، فذلك قول الله عز وجل : أم حسب الذين
--> ( 5 ) دهماؤهم : جماعتهم وبنو نوعهم . وارتبطهم في أمره ونهيه : أوثقهم وشدهم . والمراد من الاذن - هنا - العلم ، أي إنه تعالى بحكمته وعلمه شد عباده بأوامره ونواهيه كيلا يطغوا ولا يوقعوا أنفسهم في الهلاكة ، كما يربط ويوثق الدابة الجموح لكي لا يهلك نفسها وغيرها . ( 6 ) يقال : " ماز يميز ميزا ، وميز وأماز الشئ " : فرزه عن غيره ، ووسمه بعلامة تعرف بها عن غيره . والموجف : المسرع . والمبطئ : خلافه ، أي إن الله تعالى بحكمه العدل وحكمته البالغة فرق بين المسارعين إلى طاعته وبين المبادرين إلى معصيته ، وعلم جباه كل واحد من الفريقين بعلامة ، فيعرف المجرمون بسيماهم ، فينادون : " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " .