الشيخ المحمودي

189

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

و [ إن ] أول قتيل قتله الله عناق ، وكان مجلسها جريبا في جريب ( 2 ) وكان لها عشرون إصبعا ، في كل إصبع ظفران مثل المنجلين ( 3 ) فسلط الله عليها أسدا كالفيل ، وذئبا كالبعير ، ونسرا مثل البغل فقتلوها ( 4 ) وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا ، وأمات هامان وأهلك فرعون ، وقد قتل عثمان . ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه ( 5 ) صلى الله عليه وآله ، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ،

--> ( 2 ) الجريب - بفتح الجيم - ويجمع على أجربة وجربان - كرغيف وأرغفة ورغفان - قيل : هو في الأصل اسم للوادي ، ويستعار للقطعة المتميزة من الأرض ، ويختلف مقدارها بحسب مقدار الأقاليم ، كاختلافهم في مقدار الرطل والكيل والذراع . وقد تقدم عن الطريحي في المجمع أنه قال : وقدر الجريب بستين ذراعا في ستين . وقيل : هو عشرة أقفزة كل قفيز منها عشرة أعشرا . ( 3 ) تثنية المنجل - بكسر الميم كمبرد - : آلة القضب والحصاد . ( 4 ) وفي رواية كمال الدين ابن ميثم ( ره ) : " ونسرا كالحمار ، وكان ذلك في الخلق الأول فقتلها ، وقد قتل الله الجبابرة على أسوء أحوالهم " . ( 5 ) إن بلية العرب يوم بعث الله النبي - صلى الله عليه وآله - التي أهلكتهم هي العصبية العمياء والحمية الجاهلية ، وتفرد كل قبيلة بآرائها المنبعثة عن الخرافات الوهمية والعادات الطائفية ، والمنافع الشخصية الخيالية ، وعدهم الجري على عادات غيرهم - كائنا من كان - عارا وشنارا ، ولذا تفرد كل قبيلة بصنم تعبده وتشركه في العبادة مع الله تعالى ، وهذه البلية قد تكونت ثانية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنها كانت ضعيفة ، وكلما تجدد لوالي المسلمين نظر ورأي في قبال الأحكام الإلهية والقوانين الشرعية ، تجددت للبلية قوة ، فزادت قوة بعد قوة حتى ترعرعت في أيام عثمان لكثرة نهمته وشدة حرصه في منافع شخصه وإشباع غرائز قومه ، وحملهم على رقاب المسلمين ، وحين قتل عثمان كانت هذه البلية في أوان شبابها وغاية قوتها واستحكامها ، ولذا كانت أم المؤمنين عائشة تقول - لما بلغها قتل عثمان : - إيها ذا الإصبع ، ولما بلغها بيعة أمير المؤمنين قالت : ليت السماء وقعت على الأرض - أو ما في معناه - ومن أجلها قال كل واحد من طلحة والزبير لأمير المؤمنين : نبايعك على أنا شركاؤك في الامر . قال عليه السلام : لا . وقال معاوية : إن أقرني على الشام ولم يعزلني بايعت له .