ابن النديم البغدادي
393
فهرست ابن النديم
وزعم أنه بصفاته هذه أزلي ، ومعه شيئان أزليان أحدهما الجو والاخر الأرض . قال ماني : وأعضاء الجو خمسة ، الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة ، وأعضاء الأرض ، النسيم والريح والنور والماء والنار . والكون الاخر وهو الظلمة وأعضائها خمسة ، الضباب والحريق والسموم والسم والظلمة . قال ماني : وذلك الكون النير مجاور للكون المظلم لا حاجز بينهما ، والنور يلقى الظلمة بصفحته ، ولا نهاية للنور من علوه ولا يمنته ولا يسرته ، ولا نهاية للظلمة في السفل ولا في اليمنة واليسرة . قال ماني : ومن تلك الأرض المظلمة كان الشيطان ، لا ان يكون أزليا بعينه ولكن جواهره كانت في عناصره أزلية ، فاجتمعت تلك الجواهر من عناصره فتكونت شيطانا ، رأسه كرأس أسد ، وبدنه كبدن تنين ، وجناحه كجناح طائر ، وذنبه كذنب حوت ، وأرجله أربع كأرجل الدواب . فلما تكون هذا الشيطان من الظلمة وتسمى إبليس القديم ، ازدرد واسترط وأفسد ، ومر يمنة ويسرة ونزل إلى السفل ، في كل ذلك يفسد ويهلك من غالبه . ثم رام العلو . فرأى لمحات النور فأنكرها ، ثم رآها متعالية فارتعد وتداخل بعضه في بعض ولحق بعناصره . ثم إنه رام العلو ، فعلمت الأرض النيرة بأمر الشيطان وما هم به من القتال والفساد ، فلما علمت به ، علم به عالم الفطنة ثم عالم العلم ثم عالم الغيب ثم عالم العقل ثم عالم الحلم . قال : ثم علم به ملك جنان النور فاحتال لقهره . قال : وكان جنوده أولئك يقدرون على قهره ولكنه أراد ان يتولى ذلك بنفسه ، فأولد بروح ثمانية ( 1 ) وبخمسة عالميه وبعناصره الاثنتي عشرة ، مولودا وهو الانسان القديم ، وندبه لقتال الظلمة . قال : فتدرع الانسان القديم بالأجناس الخمسة ، وهي الآلهة الخمسة ، النسيم والريح والنور والماء والنار ، واتخذهم سلاحا . فأول ما لبس ، النسيم وارتدى على النسيم العظيم بالنور المشع ( 2 ) وتعطف على النور بالماء ذي الهباء ، واكتن بالريح الهابة . ثم اخذ النار بيده كالمجن والسنان ، وانحط بسرعة ( من الجنان ) إلى أن انتهى إلى الحد مما يلي الحربي . وعمد إبليس القديم إلى أجناسه الخمسة ، وهي الدخان والحريق والظلمة والسموم والضباب ، فتدرعها وجعلها جنة له ، ولقى الانسان القديم ، فاقتتلوا مدة طويلة ، واستظهر إبليس القديم على الانسان القديم ، واسترط من نوره ، وأحاط به مع أجناسه وعناصره ، واتبعه ملك جنان النور بآلهة اخر ، واستنقذه واستظهر على الظلمة . ويقال لهذا الذي اتبع به الانسان ، حبيب الأنوار ، فنزل وتخلص ( 3 ) الانسان القديم من الجهنمات مع ما اخذ واسر من أرواح الظلمة . قال : ثم إن البهجة وروح الحياة ظعنا إلى الحد ، فنظرا إلى غور تلك الجهنم السفلى ، وأبصرا الانسان القديم والملائكة وقد أحاط بهم إبليس ، والزجريون العتاة ، والحياة المظلمة . قال : فدعا روح الحياة ، الانسان القديم بصوت عالي كالبرق في سرعة ، فكان إلها آخر . قال ماني : فلما شابك إبليس القديم بالانسان القديم بالمحاربة ، اختلط من اجزاء النور الخمسة باجزاء الظلمة الخمسة ، فخالط الدخان النسيم ، فمنها هذا النسيم الممزوج . فما فيه من اللذة والترويح عن الأنفس وحياة الحيوان فمن النسيم ، وما فيه من الهلاك والأدواء ( 4 ) فمن الدخان . وخالط الحريق النار ، فمنها هذه النار ، بما ( 5 ) فيها من الاحراق والهلاك والفساد فمن الحريق ، وما فيه ( 6 ) من الاضائة والإنارة فمن النار . وخالط النور الظلمة ، فما فيها من ( 7 ) هذه الأجسام الكثيفة ، مثل الذهب والفضة وأشباه ذلك ، وما ( 8 ) فيها من الصفاء والحسن والنظافة والمنفعة ، فمن النور ، وما فيها من الدرن والكدر والغلظ والقساوة فمن الظلمة . وخالط السموم الريح ، ( فمنها هذه الريح ) ، فما فيها من المنفعة واللذة فمن الريح ، وما فيها من الكرب والتعوير والضرر فمن السموم . وخالط الضباب الماء ، فمنها هذه الماء ، فما فيه من الصفاء والعذوبة والملائمة للأنفس فمن الماء ، وما فيه من التغريق والتخنيق والاهلاك والثقل والفساد فمن الضباب . قال ماني : فلما اختلط
--> 1 - ف ( يمنته ) . 2 ف ( المسبغ ) . 3 ف ( وخلص ) . 4 ف ( والاذاء ) . 5 - ف ( فما ) . 6 ف ( فيها ) . 7 ف ( فمنها ) . 8 ف ( فما ) .