ابن النديم البغدادي
301
فهرست ابن النديم
ودهر ، تجارب حادثة ، وعلم مجدد لهم على قدر الكواكب والبروج الذي هو ولى تدبير الزمان بأمر الله تعالى جده ، انقضى كلام أبى سهل . وحكى اسحق الراهب في تاريخه ان بطولوماوس فيلادلقوس ( 1 ) ، من ملوك الإسكندرية لما ملك ، فحص عن كتب العلم ، وولى أمرها رجلا يعرف بزميرة ، فجمع من ذلك على ما حكى ، أربعة وخمسين الف كتاب ومائة وعشرين كتابا ، وقال له : أيها الملك قد بقي في الدنيا شئ كثير في السند والهند وفارس وجرجان والأرمان وبابل والموصل وعند الروم . حكاية أخرى قال أبو معشر في كتاب اختلاف الزيجات : ان ملوك الفرس بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم ، وحرصهم على بقائها على وجه الدهر ، واشفاقهم عليها من احداث الجو وآفات الأرض ، ( ان ) اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الاحداث ، وأبقاها على الدهر ، وأبعدها من التعفن والدروس ، لحاء شجر الخدنك ، ولحاؤه يسمى التوز . وبهم اقتدوا أهل الهند والصين ومن يليهم من الأمم في ذلك . واختاروها أيضا لقسيهم التي يرمون عنها لصلابتها وملاستها وبقائها على القسي غابر الأيام . فلما حصلوا لمستودع علومهم أجود ما وجدوه في العالم من المكاتب ، طلبوا لها من بقاع الأرض وبلدان الأقاليم ، أصحها تربة وأقلها عفونة وأبعدها من الزلازل والخسوف وأعلكها طينا وأبقاها على الدهر بناء . فانتفضوا بلاد المملكة وبقاعها ، فلم يجدوا تحت أديم السماء بلدا أجمع لهذه الأوصاف من أصفهان ، ثم فتشوا عن بقاع هذا البلد ، فلم يجدوا فيها أفضل من رستاق جي ، ولا وجدوا في رستاق جي ، أجمع لما رموه من الموضع الذي اختط من بعد فيه بدهر داهر ، مدينة جي . فجاءوا إلى قهندز ، هو في داخل مدينة جي ، فأودعوه علومهم . وقد بقي إلى زماننا هذا ، وهو يسمى سارويه . ومن جهة هذه البنية درى الناس من كان بانيها . وذلك أنه لما كان قبل زماننا هذا بسنين كثيرة ، تهدمت من هذه ( المصنعة ) ناحية ، فظهروا فيها على أزج معقود من طين السفتق ( 2 ) ، فوجدوا فيه كتبا كثيرة من كتب الأوائل ، مكتوبة كلها في لحاء التوز ، مودعة أصناف علوم الأوائل بالكتابة الفارسية القديمة ، فوقع بعض تلك الكتب إلى من عنى به ، فقرأه فوجد فيه كتابا لبعض ملوك الفرس المتقدمين ، ( يذكر فيه ) ان طهمورث الملك المحب للعلوم وأهلها ، كان انتهى إليه قبل الحدث المغربي الذي كان من جهة الجو ( خبره ) ، في تتابع الأمطار هناك ، وأفراطها في الدوم ( 3 ) والغزارة ، وخروجها عن الحد ( والعادة ) . وانه كان من أول يوم من سنى ملكه إلى أول يوم من بدو هذا الحدث المغربي مائتان وإحدى وثلاثون سنة وثلاثمائة يوم ، وان المنجمين كانوا يخوفونه من أول ابتداء ملكه ، تعدى هذا الحدث من جانب المغرب إلى ما يليه من جانب المشرق ، فامر المهندسين بايقاع الاختيار على أصح البقاع في المملكة تربة وهواء ، فاختاروا له موضع البنية ( المعروفة ) ، بسارويه ، وهي قائمة إلى الساعة داخل مدينة جي : فامر بابتناء هذه البنية الوثيقة ، فلما فرغ له منها ، نقل إليها من خزائنه علوما كثيرة ، مختلفة الأجناس ، فحولت له إلى لحاء التوز ، فجعلها في جانب من ذلك البيت ، لتبقى للناس بعد احتباس هذا الحدث . وانه كان فيها كتاب منسوب إلى بعض الحكماء المتقدمين ، فيه سنون وأدوار معلومة لاستخراج أوساط الكواكب ، وعلل حركاتها . وان أهل زمان طهمورث وسائر من تقدمهم من الفرس كانوا يسمونها أدوار
--> 1 - ف ( فيلادلفوس ) . 2 ف ( الشقيق ) والسفتق معرب سفته أو شفته الفارسية . 3 ف ( الدوام ) .