الشوكاني

281

نيل الأوطار

فإن الجمعة لا تحبس عن سفر رواه الشافعي في مسنده . أما حديث ابن عباس فقال الترمذي : إنه غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ثم قال : قال يحيى بن سعيد ، قال شعبة ، وذكر الكلام الذي ذكره المصنف وفي إسناده الحجاج بن أرطأة ، قال البيهقي : انفرد به الحجاج وهو ضعيف ، وقال العراقي في شرح الترمذي : ضعفه الجمهور ، ومال ابن العربي إلى تصحيح الحديث وقال : ما قاله شعبة لا يؤثر في الحديث ، وقال : هو صحيح السند ، صحيح المعنى ، لأن الغزو أفضل من الجماعة في الجمعة وغيرها ، وطاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو أفضل من طاعته في صلاة الجماعة ، وتعقبه العراقي فقال : هذا الكلام ليس جاريا على قواعد أهل الحديث ، ولا يلزم من كون المعنى صحيحا أن يكون السند صحيحا ، فإن شرط صحة الاسناد اتصاله فالمنقطع ليس من أقسام الصحيح عند عامة العلماء ، وهم الذين لا يحتجون بالمرسل ، فكل من لا يحتج بالمرسل لا يحتج بعنعنة المدلس ، بل حكى النووي في شرح المهذب وغيره اتفاق العلماء على أنه لا يحتج بعنعنة المدلس مع احتمال الاتصال ، فكيف مع تصريح شعبة وهو أمير المؤمنين في الحديث بأن الحكم لم يسمعه من مقسم ، فلو ثبت الحديث لكان حجة واضحة ، وإذا لم يثبت فالحجة قائمة بغيره من حيث تعارض الواجبات ، وأنه يقدم أهمها ، ولا شك أن الغزو أهم من صلاة الجمعة ، إذ الجمعة لها خلف عند فوتها ، بخلاف الغزو خصوصا إذا تعين فإنه يجب تقديمه ، وأيضا فالجمعة لم تجب قبل الزوال ، وإن وجب السعي إليها قبله في حق من سمع النداء ، ولا يمكنه إدراكها إلا بالسعي إليها قبله ، ومن هذه حاله يمكن أن يكون حكمه عند ذلك حكم ما بعد الزوال اه . وأما الأثر المروي عن عمر فذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه . وروى سعيد بن منصور أن أبا عبيدة سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة . وأخرج أبو داود في المراسيل وابن أبي شيبة عن الزهري أنه أراد أن يسافر يوم الجمعة ضحوة فقيل له في ذلك فقال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سافر يوم الجمعة . وفي مقابل ذلك ما أخرجه الدارقطني في الافراد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ : من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره وفي إسناده ابن لهيعة وهو مختلف فيه ، وما أخرجه الخطيب في كتاب أسماء الرواة عن مالك من رواية الحسين بن علوان عنه عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره ولا تقضى له حاجة ثم قال الخطيب : الحسين بن علوان غيره