الشوكاني
275
نيل الأوطار
عين ، لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب . قال ابن العربي : وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة ، ثم قال : قلنا له تأويلان : أحدهما أن مالكا يطلق السنة على الفرض . الثاني : أنه أراد سنة على صفتها لا يشاركها فيه سائر الصلوات حسب ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله المسلمون . وقد روى ابن وهب عن مالك عزيمة الجمعة على كل من سمع النداء انتهى . ( ومن جملة الأدلة ) الدالة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى : * ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ) * ( الجمعة : 9 ) ومنها حديث طارق بن شهاب الآتي في الباب الذي بعد هذا . ومنها حديث حفصة الآتي أيضا . ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة : أنه سمع رسول الله ( ص ) يقول : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله تعالى عليهم واختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا تبع فيه الحديث . وقد استنبط منه البخاري فرضية صلاة الجمعة ، وبوب عليه باب فرض الجمعة ، وصرح النووي والحافظ بأنه يدل على الفرضية قالا : لقوله فرض الله تعالى عليهم فهدانا له ، فإن التقدير فرض عليهم وعلينا ، فضلوا وهدينا ، وقد وقع مسلم في رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ : كتب علينا وقد أجاب عن هذه الأدلة من لم يقل بأنها فرض عين بأجوبة . أما عن حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف فيما تقدم في الجماعة . وأما عن سائر الأحاديث المشتملة على الوعيد فبصرفها إلى من ترك الجمعة تهاونا حملا للمطلق على المقيد ، ولا نزاع في أن التارك لها تهاونا مستحق للوعيد المذكور ، وإنما النزاع فيمن تركها غير متهاون . وأما عن الآية فبما يقضي به آخرها أعني قوله : * ( ذلكم خير لكم ) * ( الجمعة : 9 ) من عدم فرضية العين . وأما عن حديث طارق فبما قيل فيه من الارسال وسيأتي . وأما عن حديث أبي هريرة الآخر فبمنع استلزام افتراض يوم الجمعة على من قبلنا افتراضه علينا ، وأيضا ليس فيه افتراض صلاة الجمعة عليهم ولا علينا . وقد ردت هذه الأجوبة بردود . ( والحق ) أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء ، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق وأم سلمة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم . والاعتذار عن حديث طارق بالارسال ستعرف اندفاعه ، وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان صغيرا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين ، وما كانت تقام الجمعة في عهده صلى الله عليه وآله وسلم بأمره إلا في مسجده ، وقبائل العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين ، ولم يؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلف