الشوكاني
266
نيل الأوطار
يؤيد ذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال : يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر ، وعجل العصر ، وأخر المغرب ، وعجل العشاء ، قال : وأنا أظنه ، وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم . ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين ، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها . فنفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة ، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم ، وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري ، ولو كان جمعا حقيقيا لتعارض روايتاه ، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب . ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما وهذا هو الجمع الصوري ، وابن عمر هو ممن روى جمعه ( ص ) بالمدينة ، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه . وهذه الروايات معينة لما هو المراد بلفظ جمع لما تقرر في الأصول من أن لفظ جمع بين الظهر والعصر لا يعم وقتها كما في مختصر المنتهى وشروحه ، والغاية وشرحها ، وسائر كتب الأصول بل مدلوله لغة الهيئة الاجتماعية ، وهي موجودة في جمع التقديم والتأخير والجمع الصوري ، إلا أنه لا يتناول جميعها ولا اثنين منها ، إذ الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه ، كما صرح بذلك أئمة الأصول ، فلا يتعين واحد من صور الجمع المذكور إلا بدليل ، وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري ، فوجب المصير إلى ذلك . وقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان الشارع وأهل عصره وهو مردود بما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله للمستحاضة : وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين . ومثله في المغرب والعشاء ، وبما سلف عن ابن عباس وابن عمر . وقد روي عن الخطابي أنه لا يصح حمل الجمع المذكور في الباب على الجمع الصوري ، لأنه يكون أعظم ضيقا من الاتيان بكل صلاة في وقتها ، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه الخاصة فضلا عن العامة ، ويجاب عنه بأن الشارع قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها ، وبالغ في التعريف والبيان ، حتى أنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة ،