الشوكاني
154
نيل الأوطار
في أول الأمر اجتهاد منه ( ص ) ، والامر بالإجابة بوحي من الله تعالى . وقيل : الترخيص مطلق مقيد بعدم سماع النداء . وقيل : إن الترخيص باعتبار العذر والامر للندب ، فكأنه قال : الأفضل لك ، والأعظم لاجرك أن تجيب وتحضر فأجب . قوله : ولي قائد لا يلاؤمني قال الخطابي : يروى في الحديث يلاؤمني بالواو ، والصواب يلاؤمني أي يوافقني وهو بالهمزة المرسومة بالواو والهمزة فيه أصلية ، وأما الملاومة بالواو فهي من اللوم وليس هذا موضعه . قوله : رخصة بوزن غرفة ، وقد تضم الخاء المعجمة بالاتباع وهي التسهيل في الامر والتيسير . ( والحديثان ) استدل بهما القائلون بأن الجماعة فرض عين ، وقد تقدم ذكرهم ، وأجاب الجمهور عن ذلك بأنه سأل هل له رخصة في أن يصلي في بيته وتحصل له فضيلة الجماعة لسبب عذر ؟ فقيل : لا . ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين ، ومن جملة العذر العمى إذا لم يجد قائدا ، كما في حديث عتبان بن مالك وهو في الصحيح وسيأتي ، ويدل على ذلك حديث ابن عباس عند ابن ماجة والدارقطني وابن حبان والحاكم أن النبي ( ص ) قال : من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر قال الحافظ : وإسناده على شرط مسلم لكن رجح بعضهم وقفه ، وأجاب البعض عن حديث الأعمى بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم منه أنه يمشي بلا قائد لحذقه وذكائه ، كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد ، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى ، أو بتكرر المشي إليه استغنى عن القائد ، ولا بد من التأويل لقوله تعالى : * ( ليس على الأعمى حرج ) * ( النور : 61 ) وفي أمر الأعمى بحضور الجماعة مع عدم القائد ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه كما في مسلم غاية الحرج ، ولا يقال : الآية في الجهاد . لأنا نقول : هو من القصر على السبب ، وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ( واعلم ) أن الاستدلال بحديثي الأعمى وحديث أبي هريرة الذي في أول الباب على وجوب مطلق الجماعة فيه نظر ، لأن الدليل أخص من الدعوى ، إذ غاية ما في ذلك وجوب حضور جماعة النبي ( ص ) في مسجده لسامع النداء ، ولو كان الواجب مطلق الجماعة لقال في المتخلفين أنهم لا يحضرون جماعته ولا يجمعون في منازلهم ، ولقال لعتبان بن مالك : انظر من يصلي معك ، ولجاز الترخيص للأعمى بشرط أن يصلى في منزلة جماعة وعن عبد الله بن مسعود قال : لقد رأيتنا وما أن يصلي في منزله جماعة يتخلف عنها إلا منافق