الشوكاني

70

نيل الأوطار

ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل ، فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسندا له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم : كل بدعة ضلالة طالبا لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة ، فإن جاءك به قبلته وإن كاع كنت قد ألقمته حجرا واسترحت من المجادلة . ومن مواطن الاستدلال لهذا الحديث كل فعل أو ترك وقع الاتفاق بينك وبين خصمك على أنه ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخالفك في اقتضائه البطلان أو الفساد ، متمسكا بما تقرر في الأصول من أنه لا يقتضي ذلك إلا عدم أمر يؤثر عدمه في العدم كالشرط ، أو وجود أمر يؤثر وجوده في العدم كالمانع ، فعليك بمنع هذا التخصيص الذي لا دليل عليه إلا مجرد الاصطلاح ، مسندا لهذا المنع بما في حديث الباب من العموم المحيط بكل فرد من أفراد الأمور التي ليست من ذلك القبيل قائلا : هذا أمر ليس من أمره ، وكل أمر ليس من أمره رد فهذا رد ، وكل رد باطل فهذا باطل ، فالصلاة مثلا التي ترك فيها ما كان يفعله رسول الله ( ص ) أو فعل فيها ما كان يتركه ليست من أمره فتكون باطلة بنفس هذا الدليل ، سواء كان ذلك الامر المفعول أو المتروك مانعا باصطلاح أهل الأصول أو شرطا أو غيرهما فليكن منك هذا على ذكر . قال في الفتح : وهذا الحديث معدود من أصول الاسلام وقاعدة من قواعده ، فإن معناه من اخترع من الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه ، قال النووي : هذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك . وقال الطوخي : هذا الحديث يصح أن يسمى نصف أدلة الشرع لأن الدليل يتركب من مقدمتين ، والمطلوب بالدليل إما إثبات الحكم أو نفيه . وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه ، لأن منطوقه مقدمة كلية ، مثل أن يقال في الوضوء بماء نجس هذا ليس من أمر الشرع وكل ما كان كذلك فهو مردود فهذا العمل مردود ، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الدليل وإنما يقع النزاع في الأولى ، ومفهومه أن من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح ، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدمة أولى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه لاستقل الحديثان بجمع أدلة الشرع لكن هذا الثاني لا يوجد ، فإذن حديث الباب نصف أدلة الشرع انتهى . وعن عقبة بن عامر قال : أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له ثم