الشوكاني

36

نيل الأوطار

قال مثل ما يقول ولم يقل مثل ما قال ، ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها . قال الحافظ : والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت . وأصرح من ذلك حديث عمر بن الخطاب الآتي بعد هذا . والحديث يدل على أنه يقول السامع مثل ما يقول المؤذن في جميع ألفاظ الاذان الحيعلتين وغيرهما ، وقد ذهب الجمهور إلى تخصيص الحيعلتين بحديث عمر الآتي فقالوا : يقول مثل ما يقول فيما عدا الحيعلتين ، وأما في الحيعلتين فيقول : لا حول ولا قوة إلا بالله . وقال ابن المنذر : يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح ، فيقول تارة كذا وتارة كذا ، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب أعمالهما ، قال : فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة . والظاهر من قوله في الحديث فقولوا التعبد بالقول وعدم كفاية إمرار المجاوبة على القلب . والظاهر من قوله مثل ما يقول عدم اشتراط المساواة من جميع الوجوه . قال اليعمري : لاتفاقهم على أنه لا يلزم المجيب أن يرفع صوته ولا غير ذلك . قال الحافظ : وفيه بحث لأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته ، ولاحتياج المؤذن إلى الاعلام شرع له رفع الصوت ، بخلاف السامع فليس مقصوده إلا الذكر ، والسر والجهر مستويان في ذلك . وظاهر الحديث إجابة المؤذن في جميع الحالات من غير فرق بين المصلي وغيره . وقيل : يؤخر المصلي الإجابة حتى يفرغ . وقيل : يجيب إلا في الحيعلتين ، قال الحافظ والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة بل يؤخرها حتى يفرغ ، وكذا حال الجماع والخلاء ، قيل : والقول بكراهة الإجابة في الصلاة يحتاج إلى دليل ولا دليل ، ولا يخفى أن حديث إن في الصلاة لشغلا دليل على الكراهة ، ويؤيده امتناع النبي ( ص ) من إجابة السلام فيها وهو أهم من الإجابة للمؤذن . وظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول المؤذن من غير فرق بين الترجيع وغيره . وفيه متمسك لمن قال بوجوب الإجابة لأن الامر يقتضيه بحقيقته ، وقد حكى ذلك الطحاوي عن قوم من السلف ، وبه قالت الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب . وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب . قال الحافظ : واستدلوا بحديث أخرجه مسلم وغيره : أن النبي ( ص ) سمع مؤذنا فلما كبر قال : على الفطرة ، فلما تشهد قال : خرج من النار قالوا : فلما قال ( ص ) غير ما قال المؤذن علمنا أن الامر بذلك