الشوكاني
307
نيل الأوطار
الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس يعني للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدور اليمنى على قبلته الحديث . وبحديث عائشة الآتي . ووجه الاستدلال بهذين الحديثين وبحديثي الباب أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه بالأول ، واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مشعر بأنها هي الهيئة المشروعة في التشهدين جميعا ، ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد الأخير ولم يهملوه ، لا سيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة ، فعلم بذلك أن هذه الهيئة شاملة لهما . ويمكن أن يقال : إن هذه الجلسة التي ذكر هيئتها أبو حميد في هذا الحديث هي جلسة التشهد الأول بدليل حديثه الآتي ، فإنه وصف هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ، ثم ذكر بعدها هيئة الجلوس الآخر فذكر فيها التورك ، واقتصاره على بعض الحديث في هذه الرواية ليس بمناف لما ثبت عنه في الرواية الأخرى ، لا سيما وهي ثابتة في صحيح البخاري ، ويعد ذلك الاقتصار إهمالا لبيان هيئة التشهد الأخير في مقام التصدي لصفة جميع الصلوات ، لأنه ربما اقتصر من ذلك على ما تدعو الحاجة إليه ، ويقال في حديث رفاعة المذكور ههنا أنه مبين بروايته المتقدمة في الباب الأول . وأما حديث وائل وحديث عائشة فقد أجاب عنهما القائلون بمشروعية التورك في التشهد الأخير ، بأنهما محمولان على التشهد الأوسط جمعا بين الأدلة ، لأنهما مطلقان عن التقييد بأحد الجلوسين . وحديث أبي حميد مقيد ، وحمل المطلق على المقيد واجب ، ولا يخفاك أنه يبعد هذا الجمع ما قدمنا من أن مقام التصدي لبيان صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم يأبى الاقتصار على ذكر هيئة أحد التشهدين وإغفال الآخر ، مع كون صفته مخالفة لصفة المذكور ، لا سيما حديث عائشة فإنها قد تعرضت فيه لبيان الذكر المشروع في كل ركعتين ، وعقبت ذلك بذكر هيئة الجلوس ، فمن البعيد أن يخص بهذه الهيئة أحدهما ويهمل الآخر ، ولكنه يلوح من هذا أن مشروعية التورك في الأخير آكد من مشروعية النصب والفرش ، وأما أنه ينفي مشروعية النصف والفرش فلا ، وإن كان حق حمل المطلق على المقيد هو ذلك ، لكنه منع من المصير إليه ما عرفناك . والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد يرده قوله أبي حميد في حديثه الآتي : فإذا جلس في الركعة الأخيرة . وفي رواية لأبي داود : حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم . وقد اعتذر ابن القيم عن ذلك بما لا طائل تحته ، وقد ذكر مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير ، وهي أنه صلى الله