الشوكاني

3

نيل الأوطار

الناسي ، بل صرح بأن المانع من وجوب القضاء على العامد أنه لا يسقط الاثم عنه فلا فائدة فيه ، فيكون إثباته مع عدم النص عبثا ، بخلاف الناسي والنائم فقد أمرهما الشارع بذلك ، وصرح بأن القضاء كفارة لهما لا كفارة لهما سواه ، ومن جملة حججهم أن قوله في الحديث : لا كفارة لها إلا ذلك يدل على أن العامد مراد بالحديث لأن النائم والناسي لا إثم عليهما ، قالوا : فالمراد بالناسي التارك سواء كان عن ذهول أم لا . ومنه قوله تعالى : * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( التوبة : 67 ) وقوله تعالى : * ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) * ( الحشر : 19 ) ولا يخفى عليك أن هذا الكلام يستلزم عدم وجوب القضاء على الناسي والنائم لعدم الاثم الذي جعلوا الكفارة منوطة به ، والأحاديث الصحيحة قد صرحت بوجوب ذلك عليهما ، وقد استضعف الحافظ في الفتح هذا الاستدلال ، وقال : الكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد ، على أنه قد قيل : إن المراد بالكفارة هي الاتيان بها تنبيها على أنه لا يكفي مجرد التوبة والاستغفار من دون فعل لها . وقد أنصف ابن دقيق العيد فرد جميع ما تشبثوا به ، والمحتاج إلى إمعان النظر ما ذكرنا لك سابقا من عموم حديث : فدين الله أحق أن يقضى لا سيما على قول من قال : إن وجوب القضاء بدليل هو الخطاب الأول الدال على وجوب الأداء ، فليس عنده في وجوب القضاء على العامد فيما نحن بصدده تردد لأنه يقول : المتعمد للترك قد خوطب بالصلاة ووجب عليه تأديتها فصارت دينا عليه ، والدين لا يسقط إلا بأدائه ، إذا عرفت هذا علمت أن المقام من المضايق . وأن قول النووي في شرح مسلم بعد حكاية قول من قال : لا يجب القضاء على العامد أنه خطأ من قائله وجهالة من الافراط المذموم . وكذلك قول المقبلي في المنار : إن باب القضاء ركب على غير أساس ليس فيه كتاب ولا سنة إلى آخر كلامه من التفريط . قوله : لا كفارة لها إلا ذلك استدل بالحصر الواقع في هذه العبارة على الاكتفاء بفعل الصلاة عند ذكرها ، وعدم وجوب إعادتها عند حضور وقتها من اليوم الثاني ، وسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على حديث عمران بن حصين من آخر هذا الباب . والامر بفعلها عند الذكر يدل على وجوب المبادرة بها ، فيكون حجة لمذهب من قال بوجوبه على الفور وهو الهادي والمؤيد بالله والناصر وأبو حنيفة وأبو يوسف والمزني والكرخي . وقال القاسم ومالك والشافعي وروي عن المؤيد بالله أنه على التراخي ، واستدلوا في قضاء الصلاة بما في بعض روايات حديث نوم الوادي من أنه لما استيقظ النبي ( ص ) بعد فوات الصلاة بالنوم