الشوكاني

242

نيل الأوطار

ممن يدعي الاجماع والمخالف مثل هؤلاء . وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد ولم يؤمر بإعادة الركعة ، فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه ، لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها . والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها ، لأن الكون مع الامام مأمور به ، سواء كان الشئ الذي يدركه المؤتم معتدا به أم لا ، كما في حديثه : إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا أخرجه أبو داود وغيره ، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك . والاحتجاج بشئ قد نهى عنه لا يصح ، وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث أبي بكرة فقال : إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة ، ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا . ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض ، لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به ، قال : فهو مأمور بقضاء ما سبقه الامام وإتمامه ، فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير نص آخر ولا سبيل إلى وجوده ، قال : وقد أقدم بعضهم على دعوى الاجماع على ذلك وهو كاذب في ذلك ، لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن ، وروى القضاء أيضا عن زيد بن وهب ثم قال : فإن قيل إنه يكبر قائما ثم يركع فقد صار مدركا للوقفة ، قلنا : وهذه معصية أخرى ، وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الامام عليها ، وأيضا لا يجزي قضاء شئ يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الامام لا قبل ذلك . وقال أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة أنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انتهى . ( والحاصل ) أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه : قبل أن يقيم صلبه كما تقدم . وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم ، وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما عرفت ، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحا ويذهب إلى خلافه . ( ومن الأدلة ) على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة وأبي هريرة المتفق عليهما بلفظ : ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا قال الحافظ في الفتح : قد استدل بهما على أن من أدرك الامام راكعا لم يحتسب له تلك الركعة للامر بإتمام