الشوكاني
230
نيل الأوطار
المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات ، لأن المركب كما ينتفي بانتفاء جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها ، فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الاجزاء ولا الكمال كما روي عن جماعة ، لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات ، ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض ، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الاجزاء لا إلى الكمال ، أما أولا فلماذا ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين . وأما ثانيا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث فإنها مصرحة بالاجزاء فيتعين تقديره . إذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة لا من واجباتها فقط ، لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط . وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن ، هكذا قال النووي ، والصواب ما قال الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة ، لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة ، لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة ، والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض ، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى : * ( فاقرءوا ما تيسر منه ) * ( المزمل : 20 ) فالفرض قراءة ما تيسر ، وتعين الفاتحة إنما يثبت بالحديث ، فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه ، وهذا تعويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة ، فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع : لا يجزئ كذا ، لا يقبل كذا ، لا يصح كذا ، ويقول المتمسكون بهذا الرأي : يجزئ ويقبل ويصح ، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي . ( ومن جملة ) ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر وهو تخيير ، فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخا للتخيير ، والقطعي لا ينسخ بالظني ، فيجب توجيه النفي إلى الكمال ، وهذه الكلية ممنوعة ، والسند ما تقدم من تحول أهل قبا إلى الكعبة بخبر واحد ، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل مدحهم كما تقدم ذلك في باب الاستقبال ، ولو سلمت لكان محل النزاع خارجا عنها ، لان المنسوخ إنما هو استمرار التخيير وهو ظني ، وأيضا الآية نزلت في قيام الليل فليست مما نحن فيه . وأما قولهم : إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح ، وأن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع فلا يحمل خطاب الشارع عليه ، وأن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال فيكفي ، لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة ، فيرده تصريح الشارع بلفظ الاجزاء ، وكونه من إثبات اللغة بالترجيح ممنوع ، بل هو من إلحاق الفرد المجهول بالأعم