الشوكاني
186
نيل الأوطار
لا يستلزم أنها منها ، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها ، نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ أنه لما قال صلى الله عليه وآله وسلم : فإنك لم تصل كبر على الناس أنه من أخف صلاته لم يصل ، حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : فإن انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك فكان أهون عليهم . فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام المذكور بمعنى نفي الكمال ، إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين ، ولما كانت هذه أهون عليهم ، ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره لا في فهم بعض الصحابة سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع ، فنحن نقول بموجب ما فهموه ، ونسلم أن بين الحالتين تفاوتا ، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة فقد فعل خيرا من قيام وذكر وتلاوة ، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك ، وترك الواجب سبب للعقاب ، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده ، وإلا فعله مع غيره ، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها . وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف وهو حسن ، ثم إنا نقول : غاية ما ينتهض له دعوى من قال إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية لا عدم الوجوب ، لأن المجئ بالصلاة تامة كاملة واجب . وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام ولفظه ، ومن قال من الفقهاء إن هذا لنفي الكمال قيل : إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين : أحدهما أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع أنه ينفي عملا فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه ثم ينفيه لترك المستحبات ، بل الشارع لا ينفي عملا إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه . والثاني لو نفي لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام ، فإن الكمال المستحب متفاوت ، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال لا صلاة له اه . قوله : وتحليلها التسليم سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في باب كون السلام فرضا . وعن مالك بن الحويرث : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي رواه أحمد والبخاري ، وقد صح عنه أنه كان يفتتح بالتكبير . الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة من الأقوال والأفعال ، ويؤكد الوجوب كونها بيانا لمجمل قوله : أقيموا الصلاة وهو أمر