الشوكاني
160
نيل الأوطار
ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى ، وبالطاهر عن النجس ، والحسنات على قدر الأعمال . قال : وسمعت من بعض المشايخ أنه ينبغي لمن أخرج قذاة من المسجد أو أذى من طريق المسلمين أن يقول عند أخذها : لا إله إلا الله ليجمع بين أدنى شعب الايمان وأعلاها وهي كلمة التوحيد ، وبين الأفعال والأقوال ، وإن اجتمع القلب مع اللسان كان ذلك أكمل انتهى . إلا أنه لا يخفى أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى دليل ، وقوله ينبغي حكم شرعي . قوله : فلم أر ذنبا أعظم قال شارح المصابيح : أي من سائر الذنوب الصغائر ، لأن نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن من استخفافه وقلة تعظيمه للقرآن ، وإنما قال صلى الله عليه وآله وسلم هذا التشديد العظيم تحريضا منه على مراعاة حفظ القرآن انتهى . والتقييد بالصغائر يحتاج إلى دليل . وقيل : المراد بقوله نسيها ترك العمل بها . ومنه قوله تعالى : * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( الحشر : 19 ) وهو مجاز لا يصار إليه إلا لموجب . وعن عائشة قالت : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب رواه الخمسة إلا النسائي . وعن سمرة بن جندب قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها رواه أحمد والترمذي وصححه ، ورواه أبو داود ولفظه : كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها . الحديث الأول أخرجه الترمذي مسندا ومرسلا . وقال : المرسل أصح ، ولكنه رواه غير مسند بإسناد رجاله ثقات ، فرواه أبو داود عن حسين بن علي بن الأسود العجلي ، قال أبو حاتم : صدوق عن زائدة بن قدامة أو ابن بسيط وهما ثقتان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا ، والحديث الثاني رواه أحمد بإسناد صحيح . وكذا رواه غيره بأسانيد جيدة . قوله : في الدور قال البغوي في شرح السنة : يريد المحال التي فيها الدور ، ومنه قوله تعالى : * ( سأريكم دار الفاسقين ) * ( الأعراف : 145 ) لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا ، ومنه الحديث : ما بقيت دار إلا بني فيها مسجد قال سفيان : بناء المساجد في الدور يعني القبائل أي من العرب يتصل بعضها ببعض وهم بنو أب واحد ، يبنى لكل قبيلة مسجد ، هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدور . قال أهل اللغة : الأصل في إطلاق الدور على المواضع ، وقد تطلق على القبائل مجازا . قال بعض المحدثين : والبساتين في معنى الدور ، وعلى هذا فيستحب بناء المسجد من حجر أو لبن أو مدر أو خشب وغير ذلك ، في كل محلة يحلها المقيمون