الشوكاني

155

نيل الأوطار

وابن حبان ، والبزار عن أبي ذر ، وأبي مسلم الكجي من حديث ابن عباس ، والطبراني في الأوسط من حديث أنس وابن عمر ، وعن أبي نعيم في الحلية عن أبي بكر ، وابن خزيمة عن جابر ، وحمل ذلك العلماء على المبالغة ، لأن المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة ، وقيل : هي على ظاهرها ، والمعنى أنه يزيد في مسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر ، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فيقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر ، وفي رواية للبخاري قال بكير : حسبت أنه قال يعني شيخه عاصم بن عمر بن قتادة : يبتغي به وجه الله قال الحافظ : وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث ، ولم أرها إلا من طريقه هكذا وكأنها ليست في الحديث بلفظها ، فإن كل من روى الحديث من جميع الطرق إليه لفظهم : من بنى لله مسجدا فكأن بكيرا نسيها فذكرها بالمعنى مترددا في اللفظ الذي ظنه انتهى ولكنه يؤدي معنى هذه الزيادة . قوله : من بنى لله فإن الباني للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيا لله ، وأخرج الطبراني من حديث عائشة بزيادة : لا يريد به رياء ولا سمعة . قوله : بنى الله له مثله وقد اختلف في معنى المماثلة ، فقال ابن العربي : مثله في القدر والمساحة ، ويرده زيادة بيتا أوسع منه عند أحمد والطبراني من حديث ابن عمر . وروى أحمد أيضا من طريق واثلة بن الأسقع بلفظ : أفضل منه وقيل مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء ، ويرده أن بناء الجنة لا يخرب بخلاف بناء المسجد فلا مماثلة . وقال صاحب المفهم : هذه المثلية ليست على ظاهرها وإنما يعني أنه يبنى له بثوابه بيتا أشرف وأعظم وأرفع . وقال النووي : يحتمل أن يكون مثله معناه بنى الله له مثله في مسمى البيت ، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها ، فإنها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، ويحتمل أن يكون معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا انتهى . قال الحافظ : لفظ المثل له استعمالان : أحدهما الافراد مطلقا كقوله تعالى : * ( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ) * ( المؤمنون : 47 ) والآخر المطابقة كقوله تعالى : * ( أمم أمثالكم ) * ( الانعام : 38 ) فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة ، فيحصل جواب من استشكل تقييده بقوله مثله مع أن الحسنة بعشر أمثالها ، لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشرة أبنية مثله . وأما من أجاب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك قبل نزول قوله تعالى : * ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) * ( الانعام : 160 ) ففيه بعد . وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة قال : ومن الأجوبة المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية ، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية ، فكم من بيت خير من