الشوكاني
146
نيل الأوطار
للتمكن من الصلاة في جميع جهاتها ، لأن الصلاة إلى جهة الباب وهو مفتوح لا تصح ، وقد عارض أحاديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة حديث ابن عباس عند البخاري وغيره : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في البيت ولم يصل فيه قال الحافظ : ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى التكبير ، لأن ابن عباس أثبته ولم يتعرض له بلال ، وأما الصلاة فإثبات بلال أرجح ، لأن بلالا كان معه يومئذ ولم يكن معه ابن عباس ، وإنما استند في نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل ، مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة ، وقد روى أحمد من طريق ابن عباس عن أخيه الفضل نفى الصلاة فيها ، فيحتمل أن يكون تلقاه عن أسامة فإنه كان معه ، وقد روى عنه نفي الصلاة في الكعبة أيضا مسلم من طريق ابن عباس ، ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عنه فتعارضت الروايات في ذلك ، فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره ناف ، ومن جهة أنه لم يختلف عنه في الاثبات واختلف على من نفى ، وقال النووي وغيره : يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء ، فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ، فاشتغل بالدعاء في ناحية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية ، ثم صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله ، ولان بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أنه يحجب عنه بعض الأعمدة فنفاها عملا بظنه . وقال المحب الطبري : يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته ، ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة قال : دخلت على رسول الله ( ص ) الكعبة فرأى صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصور قال الحافظ : هذا إسناده جيد ، قال القرطبي : فلعله استصحب النفي لسرعة عوده انتهى . وقد روى عمر بن شيبة في كتاب مكة عن علي بن بذيمة قال : دخل النبي ( ص ) الكعبة ودخل معه بلال وجلس أسامة على الباب ، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى فأخذ حبوته فحلها الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس فلم يشاهد صلاته ، فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي لقصر زمن احتبائه ، وفي كل نفي رؤيته لا ما في نفس الامر . ومنهم من جمع بين الحديثين بعد الترجيح وذلك من وجوه : الأول أن الصلاة المثبتة هي اللغوية والمنفية الشرعية . والثاني يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين قاله المهلب شارح البخاري . وقال ابن حبان : الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين