الحافظ رجب البرسي

23

مشارق أنوار اليقين

فصل ( قصور الفهم عن إدراك مرتبة أمير المؤمنين عليه السلام ) كيف أنكروه ، وما عرفوه ، وبمجرد السمع له ردوه ، وهو لعمري غرة فخر الأنوار ، ودرة بحر الأسرار ، وزبدة مخض الأسرار ، ومعرفة أسرار الجبار ، لأنه النهج الاسم ، والاسم الأعظم ، والترياق الأكبر ، والكبريت الأحمر ، ولكن ذا المذاق الوثي ، والصدر الشجي ، لا يفرق بين الحنظل والسكر . ولما كانت الموهبة من الكلم ( 1 ) المخزون أنكرتها العقول لقصورها عن ارتقاء عالي قصورها ، وصعقت عند سماع نفخة صورها ، فالغالي والقالي هلكا في بحر الإفراط والتفريط ، والتالي والموالي وقفا عند ظاهر التشكيك والتخليط . فالقالي حجبه عن نورهم العالي ظلمة الكبر والحسد ، والغالي تاه في تيه أسرارهم فضل عن سبيل الرشد ، والتالي قاسهم بالبشر فوقف عن أسرارهم وقعد ، والعارف نظر إلى ما فضلوا به من المواهب الإلهية فعرف أنهم سر الواحد الأحد ، وأن ظاهرهم باطن الخلايق ، وباطنهم عين الحقايق ، وغيب الإله الخالق ، فعلم من قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) ، فهم مفاتح غيب الله التي لا يعلم فضلها وسرها إلا الله ، وإن رفيع شرفهم لا تنال أيدي العقول علاه ، وخفي سرهم لا تدرك الأفهام والأوهام معناه ، ولهذا قيل في الحكمة : لا تحدث الناس بما يسبق إلى العقول إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره ، فليس كل من أسمعته نكرا يوسعك منه عذرا ، وليس كل ما يعلم يقال ، ولا كل ما يقال تجد له رجال . وقال ابن عباس للنبي صلى الله عليه وآله : يا رسول الله أأحدث بكل ما أسمع ؟ فقال : نعم إلا أن يكون حديثا لا تبلغه العقول ، فيجد السامع منه ضلالة وفتنة . وقال رجل للصادق عليه السلام : أخبرني لماذا رفع النبي عليا على كتفه ؟ قال : ليعرف الناس مقامه ورفعته . فقال : زدني يا بن رسول الله . فقال : ليعلم الناس أنه أحق بمقام رسول الله . فقال : زدني . فقال : ليعلم الناس أنه إمام بعده والعلم المرفوع . فقال : زدني . فقال : هيهات والله لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عني وأنت تقول إن جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون . وكيف يطلع على الأسرار غير الأبرار . وقال علي بن الحسين عليهما السلام :

--> ( 1 ) الصعب المستصعب ( خ . ل ) .