ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي
369
المراقبات ( أعمال السنة )
يتحقّق دعاؤه ، ولعلَّه لو لم يعرفه دعا غيره ، ويتخيّل أنّه دعا اللَّه ، وهذا هو الأغلب في غير الكاملين من الداعين ، ومعرفته أن يكون معرفة حقيقيّة حتّى يشاهده بروحه وقلبه ، كما في دعائه عليه السّلام : « اللَّهمّ نوّر ظاهرنا بطاعتك ، وباطننا بمعرفتك ، قلوبنا بمحبّتك ، وأرواحنا بمشاهدتك » . وأمّا قوله : « ترك الاختيار جميعا » فالمراد منه أن يدعوه جلّ جلاله لمراده ولا يعيّن له طريقه وفرده ، مثلا إذا أراد المال لا يعيّن عليه أن يعطيه من يد فلان أو شراء شئ ، أو بيع شئ ، إلا أن يكون هو أيضا من أصل مراده ، أو يكون المراد أنّ الأصل في المرادات كلَّها الخير والسعادة ، وأقصى كلّ خير وسعادة معرفة اللَّه وقربه وجواره ، كما في قولهم : « يا غاية آمال العارفين » فليدع الداعي لكلّ مراداته ذلك ، ولا يختار السعادات المتفرّقة المتشتّة دونها ، فإن كان ما يعنيه للسعادة والخير موصلا إلى هذه الغاية يعلمه اللَّه ، وإلا فلا ثمرة في تعيينها بل قد يكون مضرّا في الغاية القصوى من مراداته ، ولكن هذا مقام الكاملين من أهل المعرفة الَّذين أشير إليهم في حديث المعراج بقوله : « وأستغرق عقله بمعرفتي ، وأقوم له مقام عقله » فيا له من مقام ما أعلاه وعلوّ ما أسناه . ثمّ إذا قرأت الأدعية المأثورة ، فكن في قراءتك متفهّما بما تقول ، متحققّا بحقائق ما تذكره في دعائك ، وإيّاك وإيّاك أن تواجه ربّك بدعوى كاذبة ، وإظهار ما لست عليه من أحوال العبوديّة ومراسم التضرع والابتهال والمسكنة . مثلا إذا قرأت في الدعاء : « يا ربّاه لا غناء لي عن نفسي ولا أستطيع لها ضررا ولا نفعا ، ولا رجاء لي ، ولا أجد أحدا اصانعه ، تقطَّعت أسباب الخدائع عنّي واضمحلّ عنّي كلّ باطل ، أفردني الدهر إليك ، فقمت بهذا المقام إلهي بعلمك ،