مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
27
تفسير مقتنيات الدرر
إمّا سوء ظن بالربّ أو من قلَّة العقل مع أنّ المال في يد العبد على سبيل العارية . فلو قيل : « خَيْرُ الرَّازِقِينَ » ينبئ أن يكون رازق غيره ولا رازق إلَّا اللَّه فالمراد : اللَّه خير الرازقين الَّذين تظنّونهم رازقين مثل قوله : « أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » . وتحقيق المسألة هو أنّ الصفات منها ما حصل للَّه وللعبد حقيقة ومنها ما يقال للَّه بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز ومنها يقال للَّه بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة مثال الأوّل العلم بكون النار حارّة فإنّ اللَّه يعلم والعبد يعلم غاية ما في الباب أنّ علمه قديم وعلمنا حادث ، مثال الثاني الرازق والخالق فإنّ العبد إذا أعطى غيره شيئا فإنّ اللَّه هو المعطي ولكن لأجل صورة العطاء منه سمّي معطيا كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط : إنسان وفرس ، مثال الثالث الأزليّ والإله فإنّه له لا لغيره سبحانه وقد يقال في أشياء في الإطلاق والتعبير على العبد حقيقة وعلى اللَّه مجازا كالاستواء والمعيّة ويد اللَّه وجنب اللَّه ، انتهى . وقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : وما أنفق المؤمن من نفقه فعلى اللَّه خلفها بشرط أن لا يبلغ إلى حدّ السرف كما في الحديث روى أبو أمامة قال : إنّكم تؤوّلون في هذه الآية غير تأويلها « وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُه ُ » وقد سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وإلَّا فصمّتا يقول : إيّاكم والسرف في المال والنفقة وعليكم بالاقتصاد ، فما افتقر قوم قطَّ اقتصدوا . قوله : * ( [ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ] ) * أي يوم القيامة نجمع العابدين لغير اللَّه والمعبودين من الملائكة للحساب . * ( [ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ ] ) * الكفّار * ( [ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ] ) * ويقصدون بالعبادة وهذا الخطاب والاستشهاد للملائكة على اعتقاد الكفّار حتّى تبرّأ الملائكة منهم ومن عبادتهم كما يقال لعيسى عليه السّلام : « أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه ِ » « 1 » فينكر عيسى ويقول : « إِنْ كُنْتُ قُلْتُه ُ فَقَدْ عَلِمْتَه ُ » « 2 » . والنظم في الآية بما قبلها أنّهم قالوا : « نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا » بيّن سبحانه أنّ
--> ( 1 - 2 ) المائدة : 119 .