مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

18

تفسير مقتنيات الدرر

لا يكون إلَّا بعد وقوع ما يستحقّون به ذلك وأمّا العلم فبخلاف ذلك فإنّه سبحانه كان عالما بأحوالهم وبما يكون منهم في الأزل وقيل : معناه لنعلم طاعاتهم موجودة أو معاصيهم إن عصوا فنجازيهم بحسبها لأنّه سبحانه لا يجازي أحدا على ما يعلم من حاله إلَّا بعد أن يقع ذلك منه * ( [ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ] ) * أي عالم لا يفوته علم شيء من أحوالهم . وهاهنا تحقيق وهو أنّ علم اللَّه من الأزل إلى الأبد محيط بكلّ معلوم وعلمه عين ذاته لا يتغيّر وهو في كونه سبحانه عالما لا يتغيّر ولكن يتغيّر متعلَّق علمه فإنّ العلم يظهر به كلّ ما في نفس الأمر فعلم اللَّه في الأزل أنّ العالم سيوجد فإذا وجد علمه موجودا بذلك العلم وإذا عدم يعلمه معدوما بذلك العلم مثاله أنّ المرآة المصقولة فيها الصفاء فيظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثمّ إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته والمرآة لم تتغيّر في ذاتها ولا تبدّلت في صفاتها إنّما التغيير في الخارجات الَّتي قابلت فكذلك هاهنا فقوله : « إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ » أي ليقع في العلم صدور الإيمان من المؤمن والكفر من الكافر وكان قبله في علمه أنّه سيكفر زيد ويؤمن عمرو . قوله تعالى : * ( [ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّه ِ ] ) * قل يا محمّد لهؤلاء المشركين : ادعوا الَّذين زعمتم أنّهم آلهة وأنّهم شركاء للَّه تعالى وأنّهم شفعاؤكم هل يستجيبونكم إلى ما تسألونهم وهذا نوع توبيخ ليعلموا أنّ أوثانهم لا تنفعهم ولا تضرّهم لأنّهم لا يتمكّنون من أن يجيبوهم . ثمّ قال سبحانه : * ( [ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ ] ) * أي لا يقدرون زنة ذرّة من خير وشرّ ونفع وضرّ فيهما * ( [ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ ] ) * وليس لهم في خلق السماوات والأرض من نصيب ومدخليّة * ( [ وَما لَه ُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ] ) * أي ليس له معاون على خلقهما . * ( [ وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَه ُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه ُ ] ) * أي لا تنفع الشفاعة عند اللَّه إلَّا لمن رضيه اللَّه وارتضاه وأذن له الشفاعة مثل الأنبياء والملائكة والأولياء وإلَّا لمن يأذن له في الشفاعة ، وإنّما قال سبحانه ذلك لأنّ الكفّار والمشركين كانوا يقولون : نعبدهم