مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

11

تفسير مقتنيات الدرر

وكان آصف يدبّر أمره في الملك فلمّا كان في المرّة الَّتي مات فيها ولم يكن يصبح يوما إلَّا وتنبت شجرة كان يسأله سليمان فتخبره عن اسمها ونفعها وضرّها فرأى يوما نبتا فقال : ما اسمك ؟ قال : الخرنوب قال : لأيّ شيء أنت ؟ قال : للخراب فعلم أنّه سيموت فقال : اللَّهم عمّ « 1 » على الجنّ موتي ليعلم الإنس أنّهم لا يعلمون الغيب وكان قد بقي من بنائه سنة وقال لأهله : لا تخبروا الجنّ موتي حتّى يفرغوا من بنائه ودخل محرابه وقام واتّكأ على عصاه فمات وبقي سنة وتمّ البناء ثمّ سلَّط اللَّه على منسأته الأرضة حتّى أكلتها فخرّ ميّتا فعرف الجنّ موته وكانوا يحسبونه حيّا لمّا كانوا يشاهدون طول قيامه قبل ذلك . وكان في إماتته قائما وبقائه كذلك أغراض : منها إتمام البناء ، ومنها أن يعلم الإنس أنّ الجنّ لا يعلم الغيب وأنّهم في ادّعاء ذلك كاذبون ومنها أن يعلم أنّ من حضر أجله فلا يتأخّر إذ لم يؤخّر سليمان مع جلالة شأنه . وروي أنّه اطَّلعه اللَّه على حضور وفاته فاغتسل وتحنّط وتكفّن والجنّ في عملهم . وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال : إنّ سليمان أمر الشياطين فعملوا له قبّة من قوارير فبينا هو قائم متّكئ على عصاه في القبّة ينظر إلى الجنّ كيف يعملون وهم ينظرون إليه ولا يصلون إليه إذا رجل معه في القبّة فقال : من أنت فقال : أنا الَّذي لا أقبل الرشى ولا أهاب الملوك فقبضه وهو قائم متّكئ على عصاه في القبّة قال : فمكثوا سنة يعملون له حتّى بعث اللَّه الأرضة فأكلت منسأته وقد تمّ البناء . * ( [ فَلَمَّا خَرَّ ] ) * سليمان ميّتا * ( [ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ ] ) * تبيّنت الشيء إذا علمته بعد التباسه عليك أي علمت الجنّ علما بيّنا بعد التباس الأمر عليهم أن لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته ولم يلبثوا بعده حولا في تسخيره . وفي قوله : « تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ » أقوال : قيل : ظهر أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فحينئذ قوله : « أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » بدل اشتمال من الجنّ وقرئ « تبينت الجن » على البناء

--> ( 1 ) امر من عمى يعمى تعمية .