مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

52

تفسير مقتنيات الدرر

قوله : * ( [ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ] ) * ولمّا قال إبراهيم « فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ » - والعدوّ والصديق يجيئان في الواحد والجمع - وبيان العداوة من الجماد أنّه تعالى يحيي ما عبدوه من الأصنام حتّى يقع منهم البراءة عن عابديهم والتوبيخ منهم عابديهم كما قال سبحانه في سورة مريم في الأوثان قوله : « كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا » « 1 » فأطلق إبراهيم لفظ العدوّ عليها على هذا المعنى أو بسببهم يقع الضرر من العذاب ، وهذا فعل العدوّ ، فاستثنى إلَّا ربّ العالمين وهذا الاستثناء منقطع أي لكن ربّ العالمين ثمّ وصف ربّه بما يستحقّ العبادة فأثنى عليه بأنّه خلقه وهداه وبهما يحصل جميع المنافع . وهاهنا نكتة وهو أنّ قوله : « الَّذِي خَلَقَنِي » ذكره بلفظ الماضي « ثمّ * ( يَهْدِينِ » بلفظ المستقبل والسبب في ذلك أنّ خلق الذات لا يتجدّد في الدنيا بل لمّا وقع بقي إلى الأمد المعلوم وأمّا هدايته فهي يتكرّر كلّ حين وأوان سواء كان ذلك هداية في المنافع الدينيّة أو الدنيويّة وذلك بأن يحكم العقل بتميّز الحقّ عن الباطل والخير عن الشرّ فخلقه في الماضي دفعة والهداية إلى مصالح الدين بالدنيا بضروب الهدايات كلّ لحظة ولمحة . والبيان الثاني من قول إبراهيم : * ( [ والَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ ] ) * وقد دخل فيه كلّ ما يتّصل بمنافع الرزق وما يوجب كونه سببا لبقاء النعمتين أعني الخلق والهداية إذ لو لم يكن معه ما يتمكّن معه الإنسان من الاغتذاء به نحو الشهوة والقوّة والتميّز لم تكمل النعمة للحاجة في البقاء إليه .

--> ( 1 ) الآية 83 .