مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
20
تفسير مقتنيات الدرر
إذا رأوا الرسول لم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار ويقول بعضهم لبعض : * ( [ أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّه رَسُولًا ] ) * أي إذا رأوك قالوا مستهزئين : أبعث اللَّه هذا رسولا ؟ و « إن » الأولى نافية والثانية مخفّفة من المثقّلة ، واللام هي الفارقة بينهما . وكانوا يقولون فيه : لقد كاد يصرفنا عن عبادة آلهتنا أي قد قارب أن يضلَّنا ويهلكنا * ( [ لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها ] ) * والجواب محذوف مقدّر أي لولا نقيم على عبادة آلهتنا لهلكنا ، فقال متوعّدا سبحانه لهم : * ( [ وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ ] ) * الَّذي ينزل بهم عيانا * ( [ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] ) * وأخطأ الطريق الحقّ هم أم المؤمنون ؟ ثمّ عجّب نبيّه بكلمة : * ( [ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَه هَواه ] ) * في الكلام تعجيب من جهل هؤلاء الَّذين اتّخذوا إلههم هواهم يعنى اتّخذ ميله وهواه إلهه . قال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتّخذ الآخر وعبده * ( [ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْه وَكِيلًا ] ) * أي مثل هذا الجاهل تكون تحفظه من اتّباع هواه ؟ يعني لست كذلك نحو قوله : « لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » « 1 » و « لا إِكْراه فِي الدِّينِ » « 2 » . قوله : * ( [ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ] ) * ثمّ قال للنبيّ : أم تحسب - وأم منقطعة - أنّ أكثرهم يسمعون ما تقوله سماع طالب إفهام ويعقلون ما تقرأ عليهم ؟ لا تظنّ بذلك * ( [ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ ] ) * ما هم إلَّا كالبهائم الَّتي تسمع النداء ولا تعقل * ( [ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] ) * من البهائم لأنّهم مكّنوا من المعرفة والأنعام لم يمكّنوا من المعرفة ولأنّ الأنعام عرفت أكثر منافعها ومضارّها ولا تفعل ما يضرّها وهؤلاء يسعون في إهلاك أنفسهم وتجنّبوا سبيل نجاتهم فهم أضلّ منها .
--> ( 1 ) الغاشية : 22 . ( 2 ) البقرة : 256 .