مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

10

تفسير مقتنيات الدرر

وصف سبحانه يحيى في هذه الآية وشرّفه بتشريفات أوّلها كونه مخاطبا من اللَّه بقوله : * ( [ يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ] ) * وهذا تشريف عظيم والكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة الَّتي أنعم اللَّه بني إسرائيل بها ويحتمل أن يكون كتابا خصّ اللَّه يحيى به كما خصّ اللَّه كثيرا من الأنبياء بذلك ولكن أطبق المفسّرون أنّ المراد بالكتاب التوراة ، ومعنى بقوّة أي أنت قادر على أخذه قويّ العمل به وخذه بجدّ وصحّة عزيمة على القيام بما فيه . * ( [ وَآتَيْناه ُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ] ) * والمراد من الحكم قيل : الحكم وهو الفهم في التوراة والفقه في الدين . وقيل : المراد العقل . لكنّ القول الصحيح : المراد من الحكم النبوّة فإنّ اللَّه أحكم عقله في حال صباه وأوحى إليه . وقد بعث سبحانه يحيى وعيسى نبيّا وهما صبيّان وبعث موسى ومحمّدا وقد بلغا الأشدّ . والحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره على الإطلاق وذلك لا يكون إلَّا بالنبوّة . فإن قيل : كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوّة حال الصبا . قيل : إنّ بناء النبوّات على المعجزات فإنّه ليس استبعاد صيرورة الصبيّ عاقلا نبيّا أشدّ من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر . قوله تعالى : * ( [ وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ] ) * الحنان أصله من الحنين وهو الجزع للفراق كما يقال : حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ومنه حنّت خشبة الجذع لمّا اتّخذوا له المنبر وتحوّل إلى المنبر فاستعمل التحنّن على التعطَّف والرحمة والحنان في الآية إمّا صفة للَّه أو صفة ليحيى فإن كان صفة للَّه فالتقدير : وآتيناه الحكم حنانا ورحمة منّا عليه وقيل : معناه تحنّنا منه على العباد ورقّة قلب عليهم . وهذه صفة يحيى ليدعوهم إلى الطاعة . وقيل : معنى تحنّن اللَّه عليه كان كلَّما كان يحيى