مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

8

تفسير مقتنيات الدرر

وفي وجه تسميته عليه السّلام بيحيى ذكر الثعلبيّ وجوها : أحدها عن ابن عبّاس لأنّه أحيا عقر امّه وقيل : أحيا قلبه بالطاعة والإيمان واللَّه سبحانه سمّى المطيع حيّا والعاصي ميّتا بقوله تعالى : « أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناه ُ » « 1 » وقال : « إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ » « 2 » وإحياؤه بالطاعة حتّى لم يعص ولم يهمّ بمعصية وقيل : استشهد والشهداء أحياء عند ربّهم وقيل : إنّ يحيى أوّل من آمن بعيسى فصار قلبه حيّا بذلك الأمر وذلك أنّ امّ يحيى كانت حاملا به فاستقبلها مريم وقد حملت بعيسى فقالت لها امّ يحيى : يا مريم أحامل أنت ؟ فقالت : لما ذا تقولين ؟ فقالت : إنّي أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . ولكن هذه الوجوه استحسانات ضعيفة لأنّ أسماء الألقاب لا يطلب فيها وجه الاشتقاق ولهذا قالوا : أسماء الألقاب قائمة مقام الإشارات وهي لا تفيد في المسمّى صفة البتّة . قوله تعالى : * ( [ قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ] ) * قال زكريّا : من أين لي غلام ؟ فلو قيل : كيف تعجّب مع أنّه هو الَّذي طلب الغلام وبشّر به فكيف يتعجّب ؟ فالجواب أنّه قال ذلك لا على وجه الاستعجاب بل مقصوده الاستخبار عن كيفيّة وقوع الأمر لا أنّه تعجّب من قدرة اللَّه أو كان شاكّا في وقوع الأمر بل مقصوده أن يستعلم هل يعادان شابّان أم يرزقان الولد شيخين ؟ قوله : « عاقر » لأنّ ما كان على فاعل من صفة خاصّة بالتأنيث ممّا لم يكن للمذكّر أبدا فإنّه لا تدخل فيه الهاء نحو حائض قال الخليل : هذه صفات مذكّرة وصفت بها المؤنّث كما وصفوا المذكّر بالمؤنّث حين قالوا : رجل ملحة وربعة وغلام بقعة . قوله : * ( [ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ] ) * والعاقر هو الَّذي غيّره طول الزمان إلى اليؤس وليل عاقر أي طويل وقد بلغت الكبر حال اليبوس والجفاف . قيل : كان له عليه السّلام تسع وتسعون سنة . قوله تعالى : * ( [ قالَ كَذلِكَ ] ) * أي قال اللَّه سبحانه : الأمر على ما أخبرتك من هبة

--> ( 1 ) الانعام : 122 . ( 2 ) الأنفال : 24 .